آخر الأخبار

تونس تدفع نحو إعادة هندسة شاملة للتمويل الإفريقي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

أكدت تونس، خلال مشاركتها يوم الأربعاء 27 ماي 2026 في برازافيل بجمهورية الكونغو، ضمن الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الإفريقي للتنمية المنعقدة من 25 إلى 29 ماي 2026، توجهها نحو ترسيخ شراكة إفريقية منظمة وواسعة النطاق، بدل المقاربات المجزأة والتدخلات المحدودة التي طبعت جزءاً من التعاون التنموي في القارة خلال العقود الماضية.

وجاء هذا الموقف على لسان المدير العام للتعاون الإفريقي بوزارة الاقتصاد والتخطيط ومحافظ تونس المؤقت لدى البنك طارق بوهلال، الذي دعا إلى تسريع إعداد وتنفيذ المشاريع عبر التزام سياسي واضح من المحافظين، إلى جانب تعزيز نجاعة الحوكمة داخل المؤسسات المالية الإفريقية.

ويعكس هذا التوجه، في جوهره، محاولة تونسية لإعادة تموقع استراتيجي داخل الفضاء الإفريقي، في سياق عالمي يتسم بتزايد الاضطراب الجيو-اقتصادي وتشتت سلاسل التمويل والاستثمار، مما يفرض على الدول الإفريقية تطوير أدوات تعاون أكثر تكاملاً وفاعلية.

إعادة هندسة الحوكمة المالية الإفريقية

انطلقت تونس في مقاربتها من فرضية مركزية مفادها أن فعالية التنمية الإفريقية ترتبط بإعادة هيكلة المؤسسات المالية القارية، وفي مقدمتها مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، نحو لامركزية عملياتية أكثر مرونة. وقد شدد بوهلال على ضرورة مراجعة التنظيم الهيكلي للبنك بما يسمح بتسريع اتخاذ القرار وتحسين تنفيذ المشاريع، خصوصاً في ظل توسع الطلب الإفريقي على التمويل التنموي الذي يتجاوز سنوياً مئات المليارات من الدولارات في مجالات البنية التحتية والطاقة والتعليم.

ويأتي هذا الطرح في سياق جلسات مجلس المحافظين، وهو أعلى هيئة تقريرية داخل البنك، والذي يمثل فيه كل بلد عضو بمحافظ وعدد أصوات يتناسب مع مساهمته في رأس المال، ما يعكس الطابع التوافقي والمعقد للحوكمة المالية الإفريقية.

التحول الديموغرافي كرافعة اقتصادية غير مستغلة

في ذات الاطار، دعت تونس إلى وضع التحول الديموغرافي في صدارة أولويات البنك الإفريقي للتنمية، معتبرة أن هذا العامل يمثل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل النموذج الاقتصادي الإفريقي. ويأتي هذا التوجه في وقت يبلغ فيه عدد سكان القارة الإفريقية أكثر من 1.4 مليار نسمة، مع نسبة شباب تفوق 60% دون سن 25 عاماً، وهو ما يجعل إفريقيا أكثر القارات شباباً على مستوى العالم.

وأوضح الموقف التونسي أن هذا التحول، إذا ما تم استثماره عبر سياسات تدريب موجهة، ومنظومات ريادة أعمال مبتكرة، وتسهيل تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة، يمكن أن يتحول إلى محرك للنمو بدل أن يبقى مصدر ضغط اجتماعي. كما يشمل هذا التصور تسريع الإدماج الرقمي وربط الكفاءات الشابة بالقطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية، بما يعزز الإنتاجية ويرفع من القدرة التنافسية للاقتصادات الإفريقية.

نحو سيادة مالية إفريقية

أكدت تونس أن السيادة المالية لإفريقيا لم تعد خياراً نظرياً بل ضرورة استراتيجية في ظل تزايد هشاشة النظام المالي العالمي. واعتبرت أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الانتقال من نموذج التمويل التقليدي إلى نموذج قائم على تعبئة الموارد الذاتية وتعزيز أدوات إدارة المخاطر.

وحددت تونس ثلاث ركائز أساسية لهذا التحول، تتمثل في التوسع في استخدام أدوات تقاسم وتحويل المخاطر، والانتقال من المشاريع المنفردة إلى منصات استثمارية متكاملة توفر الحجم والرؤية والوضوح، إضافة إلى تعبئة أفضل لرأس المال المحلي والإقليمي وتحويلات الجاليات الإفريقية، التي تمثل اليوم أحد أهم مصادر التمويل غير المستغلة بشكل كافٍ، إذ تتجاوز تحويلات المهاجرين الأفارقة عشرات المليارات من الدولارات سنوياً على مستوى القارة.

ناقشت المداولات كذلك الدور المستقبلي للبنك الإفريقي للتنمية في صياغة ما وصف بـ”الهيكل المالي الإفريقي الجديد للتنمية”، القادر على مواءمة الأولويات الوطنية مع الأجندات الإقليمية. ويأتي ذلك في سياق رؤية الرئيس الجديد للمجموعة سيدي ولد طه، الذي يضع ضمن أولوياته تعبئة الموارد، وإصلاح الأنظمة المالية، وتعزيز المؤسسات والكفاءات، إلى جانب استثمار التحول الديموغرافي وتطوير البنى التحتية القادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية.

وشهدت الاجتماعات، التي حضرها أكثر من 3000 مشارك من 81 دولة، من بينهم قادة سياسيون واقتصاديون وممثلون عن مؤسسات مالية دولية وقطاع خاص ومراكز بحث، نقاشات مكثفة حول سبل تعبئة التمويل في عالم يتسم بتزايد التجزئة الاقتصادية وارتفاع كلفة التمويل السيادي في العديد من الدول النامية.

عموما، تعكس المقاربة التونسية داخل اجتماعات برازافيل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين التنمية والسيادة في إفريقيا، عبر الانتقال من منطق المساعدات إلى منطق الشراكات المنظمة، ومن التمويل الخارجي إلى تعبئة الموارد الذاتية. وفي ظل التحولات الديموغرافية والاقتصادية المتسارعة، يبدو أن مستقبل التنمية الإفريقية سيتحدد بمدى القدرة على تحويل الشباب إلى رأس مال إنتاجي، وبناء مؤسسات مالية أكثر تكاملاً ومرونة، قادرة على قيادة قارة تتجه بثبات نحو مركزية أكبر في الاقتصاد العالمي.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا