آخر الأخبار

الاقتصاد التونسي في مواجهة نظام مالي عالمي جديد

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يتأثر الاقتصاد التونسي بمزيج معقد من الضغوط الخارجية، أبرزها تباطؤ الطلب الأوروبي الذي يمثل السوق الرئيسية للصادرات، إلى جانب تقلب أسعار الطاقة، وارتفاع تكلفة الواردات، وتزايد التشدد المالي العالمي. في المقابل، تتعمق التحديات الداخلية المرتبطة بجهود تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز مناخ الاستثمار، وتطوير القدرة على تعبئة الادخار المحلي. كما يضيف ارتفاع الدين العمومي بعداً إضافياً من الضغط، حيث تصبح كلفة خدمة الدين عاملاً مقيداً الى حد ما للإنفاق التنموي.

ناقش تقرير “آفاق الاقتصاد الإفريقي 2026” الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية، والمُقدَّم خلال الاجتماعات السنوية للمجموعة المنعقدة في برازافيل عاصمة جمهورية الكونغو من 25 إلى 29 ماي 2026، ملامح مرحلة اقتصادية دقيقة تتسم بتزايد عدم اليقين العالمي وتشدد الظروف المالية وتراجع تدفقات التمويل الميسر نحو الاقتصادات النامية، بما فيها الدول الإفريقية. ويؤكد التقرير أن القارة تدخل مرحلة “إعادة تموقع مالي” تتطلب تعبئة رؤوس أموال محلية ودولية بكفاءة أعلى وربطها بإصلاحات هيكلية أعمق.

وابرز التقرير أن السياق العالمي يتسم بتشتت اقتصادي متزايد، وتباطؤ الطلب الأوروبي، وتداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إلى جانب ارتفاع مخاطر الديون السيادية، وتقلب أسعار الطاقة، وتزايد الصدمات المناخية، ما يضغط على التوازنات الكلية للدول الإفريقية ويحد من هوامش السياسات العمومية.

تحسن تدريجي في أداء الاقتصاد التونسي

سجل التقرير تحسناً تدريجياً في أداء الاقتصاد التونسي خلال سنة 2025، حيث ارتفع النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي إلى 2.5% مقابل 1.5% في 2024، مدفوعاً بانتعاش قطاعات الفلاحة والفسفاط والبناء والسياحة. ويعكس هذا التحسن دوراً متزايداً للاستهلاك الخاص والصادرات في دعم النشاط الاقتصادي، مقابل استمرار ضعف الاستثمار نتيجة القيود التمويلية وتراجع جاذبية مناخ الأعمال.

في ذات السياق، تراجع التضخم من 7% إلى 5.3%، بما اتاح للبنك المركزي التونسي هامشاً نسبياً لإدارة السياسة النقدية، حيث انخفض معدل الفائدة الرئيسي تدريجياً إلى حدود 7% بداية 2026 في اطار يهدف إلى احتواء الضغوط السعرية والحفاظ على استقرار الدينار. كما انخفض العجز الجاري إلى 5.2% من الناتج الداخلي الخام بفضل تحسن تحصيل الضرائب وتراجع دعم الطاقة.

وقدّر التقرير نمو الاقتصاد التونسي عند 2.1% في 2026 و2.8% في 2027، مدفوعاً بتحسن تدريجي في السياحة والصادرات الصناعية، لكنه يبقى نمواً غير كافٍ لامتصاص اختلالات سوق العمل أو تقليص الفوارق الاجتماعية بشكل ملموس.

كما اشار تقرير المؤسسة المالية إلى أن السياسة المالية ستظل تحت ضغط مستمر، مع توقع تسجيل عجز في الميزانية في حدود 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2026 و5.6% في 2027، مقابل عجز في الحساب الجاري عند 5.3% في 2026 لافتا إلى أن الخزينة العامة واصلت الاعتماد على تمويلات استثنائية من البنك المركزي.

دور مركزي للقطاع المالي

يُظهر التحليل أن القطاع البنكي ما يزال يلعب دوراً مركزياً في التمويل، لكنه يواجه محدودية في تعبئة الموارد وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج. كما أن ظاهرة مزاحمة الدولة للقطاع الخاص على السيولة المتاحة تقلص من فعالية الوساطة المالية، يضاف إلى ذلك ضعف تطور سوق رأس المال، ما يجعل التمويل طويل الأجل محدوداً، ويزيد من اعتماد الاقتصاد على القروض القصيرة أو المتوسطة الأجل، وهو ما يرفع من هشاشة التمويل الاستثماري.

وعموما، تتجاوز الإشكالية التونسية مسألة التمويل إلى طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، حيث لا يزال الدور الاقتصادي للدولة ثقيلاً مقارنة بقدرة القطاع الخاص على خلق القيمة. ويؤدي ذلك إلى اختلال في تخصيص الموارد، وإلى ضعف في ديناميكية الإنتاجية. كما يبرز الاقتصاد الموازي كعامل موازٍ يحد من توسع القاعدة الجبائية ويضعف فعالية السياسات العمومية، ما يجعل أي إصلاح مالي جزئي غير كافٍ دون إدماج هذا القطاع في الدورة الرسمية.

هذا ويتجه النظام المالي العالمي نحو مزيد من الانتقائية في تمويل الدول، حيث أصبحت مؤشرات الحوكمة وفعالية المؤسسات عوامل حاسمة في تحديد تدفقات رأس المال. وفي هذا الصدد، فان الاعتماد على التمويل التقلدي لم يعد كافياً اذ أصبح من الضروري تنويع المصادر عبر التمويل المختلط، والضمانات متعددة الأطراف، والشراكات الاستثمارية طويلة الأجل. كما يكتسب توجيه تحويلات الجالية نحو الاستثمار الإنتاجي أهمية استراتيجية، باعتباره مصدراً مستقراً نسبياً للعملة الاجنبية ورأس المال.

ويدعو التقرير إلى تحديث إدارة الدين العمومي وتعزيز الرقابة المالية، وتطوير سوق ثانوية للسندات الحكومية، إلى جانب دعم دور بورصة تونس وتقليص كلفة الوساطة المالية، بما يسمح بتقليل مزاحمة القطاع البنكي للقطاع الخاص موصيا بتقوية صلابة القطاع البنكي عبر إدارة أفضل للمخاطر والأصول، وتطوير نظام مالي مندمج قادر على تعبئة المدخرات المحلية بكفاءة أكبر، إضافة إلى تحسين حوكمة المؤسسات العمومية وتعزيز استقلاليتها التشغيلية.

نحو قاعدة لإطلاق إصلاحات أعمق

يخلص تقرير البنك الإفريقي للتنمية إلى أن تونس تقف أمام فرصة محدودة زمنياً، حيث يمكن للاستقرار النسبي في المؤشرات الكلية أن يشكل قاعدة لإطلاق إصلاحات أعمق مؤكدا أن المرحلة القادمة ستتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين إصلاح المالية العمومية، وتحديث النظام المالي، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتنويع مصادر التمويل، بما يسمح بتعزيز صمود الاقتصاد التونسي في بيئة عالمية أكثر تقلباً وتشابكاً.

ويؤكد التمحيص في معطيات التقرير، مع إدماج السياق الكلي العالمي، أن التحدي التونسي لم يعد مرتبطاً فقط بإدارة اختلالات ظرفية، بل بإعادة بناء نموذج النمو نفسه فاستمرار التحسن المحدود في المؤشرات الكلية، دون إصلاحات هيكلية عميقة في المالية العمومية، والقطاع المالي، والحوكمة الاقتصادية، سيبقي الاقتصاد داخل دائرة نمو منخفض الاستدامة.

ويشير هذا المسار إلى أن المرحلة القادمة ليست مجرد اختبار للسياسات الاقتصادية، بل اختبار لقدرة الاقتصاد التونسي على إعادة تموقعه داخل اقتصاد عالمي يعاد تشكيله وفق قواعد جديدة أكثر صرامة وانتقائية.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا