تؤكدُ المؤشرات الأخيرة الصادرة عن الهيئة العامة للتأمين أن قطاع التأمين في تونس يواصل التحول تدريجيا إلى أحد المكونات الأكثر ديناميكية داخل المنظومة المالية الوطنية، في سياق يتسم بتزايد الحاجة إلى أدوات الادخار طويل المدى وتوسيع آليات الحماية الاقتصادية والاجتماعية، فقد سجل رقم معاملات القطاع مع موفى الثلاثية الأولى من سنة 2026 نموا بنسبة 10.5% ليبلغ نحو 1401.4 مليون دينار، مقابل 1268.5 مليون دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، وهو نسق تطور يفوق في جانب منه معدلات النمو الاسمي للاقتصاد الوطني خلال السنوات الأخيرة.
ويعكس هذا الأداء استمرار توسع الطلب على خدمات التأمين في تونس، سواء من قبل الأسر أو المؤسسات، بما يؤشر إلى تطور تدريجي في الثقافة التأمينية وفي إدراك الفاعلين الاقتصاديين لأهمية إدارة المخاطر المالية. كما يتزامن ذلك مع توسع نسبي في حجم الأصول المالية للقطاع، إذ تشير تقديرات مهنية إلى أن استثمارات شركات التأمين التونسية تجاوزت خلال السنوات الأخيرة مستوى 8 مليارات دينار، موزعة أساسا بين السندات الحكومية والودائع البنكية والأصول المالية طويلة الأجل.
التأمين على الحياة يرسخُ دوره كرافعة للادخار
يكشفُ التطور اللافت لفرع التأمين على الحياة عن تحول هيكلي مهم داخل السوق التونسية، بعدما سجل هذا النشاط نموا قويا بنسبة 16.2% لترتفع معاملاته من 282.5 مليون دينار إلى 328.2 مليون دينار خلال سنة واحدة فقط. وقد مكن هذا الأداء من رفع الحصة السوقية لتأمين الحياة إلى 23.4% من إجمالي الأقساط الصافية للقطاع.
ويكتسي هذا التطور أهمية اقتصادية كلية بالغة، باعتبار أن التأمين على الحياة يمثل أحد أبرز أدوات تعبئة الادخار طويل المدى داخل الاقتصادات الحديثة ذلك ان الأقساط المتأتية من هذا النشاط تتحول تدريجيا إلى موارد مالية مستقرة وقابلة لإعادة التوظيف في السوق المالية وتمويل الاستثمارات العمومية والخاصة، بما يخفف نسبيا الضغط على التمويل البنكي التقليدي.
وتبرز أهمية هذا الدور في السياق التونسي تحديدا، في ظل محدودية نسبة الادخار الوطني التي تدور منذ سنوات حول مستويات تقل عن 15% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل حاجيات تمويل مرتفعة للاستثمار والتنمية لذلك، يمثل توسيع قاعدة التأمين على الحياة فرصة استراتيجية لتعميق السوق المالية المحلية وتعزيز تعبئة الموارد الداخلية بالعملة الوطنية.
وتشير المقارنات الدولية إلى أن مساهمة التأمين على الحياة في الناتج المحلي الإجمالي ما تزال محدودة في تونس مقارنة بعدد من الاقتصادات الصاعدة، وهو ما يكشف وجود هامش نمو كبير أمام شركات التأمين، خاصة عبر تطوير منتجات الادخار التقاعدي والتأمين المرتبط بالتعليم والاستثمار والحماية الاجتماعية المكملة.
سياسات تجارية جديدة لتنويع الخدمات التأمينية
تعكسُ الأرقام المسجلة خلال الثلاثية الأولى من سنة 2026 نجاحا نسبيا للاستراتيجيات التجارية الجديدة التي انتهجتها مؤسسات التأمين التونسية خلال السنوات الأخيرة، والقائمة على توسيع شبكات التوزيع والرقمنة وتحسين جودة الخدمات وتطوير المنتجات ذات القيمة المضافة العالية.
وقد حافظ التأمين على غير الحياة على موقعه المهيمن بحصة بلغت 76.6% من السوق، مسجلا رقم معاملات بقيمة 1073.2 مليون دينار مقابل 986.0 مليون دينار قبل عام، أي بزيادة بلغت 8.8% .
وواصل تأمين السيارات تصدره للمشهد بقيمة معاملات بلغت 553 مليون دينار، ليستحوذ بمفرده على 39.5% من إجمالي الأقساط، محققا نموا بنسبة 8.4%. كما سجل التأمين على المرض تطورا لافتا بنسبة 16.4% لتبلغ أقساطه 222 مليون دينار وترتفع حصته السوقية إلى 15.8%، وهو ما يعكس تنامي الطلب على خدمات التغطية الصحية الخاصة في ظل الضغوط المتزايدة على منظومة الصحة العمومية.
في المقابل، سجل تأمين الحريق نموا بنسبة 5.8% إلى حدود 157.6 مليون دينار، بينما ارتفع تأمين النقل بنسبة 8.2% ليبلغ 29.7 مليون دينار. أما التأمين الفلاحي، فرغم محدودية حجمه عند 2.7 مليون دينار وحصة سوقية لا تتجاوز 0.2%، فقد حقق نموا مرتفعا بنسبة 14.7%، بما يعكس تنامي الوعي التدريجي بأهمية إدارة المخاطر المناخية والفلاحية.
ويبدو أن المرحلة المقبلة ستدفع الشركات إلى مزيد الاستثمار في الحلول الرقمية والتأمين الموجه للمؤسسات الصغرى والمتوسطة والتأمينات الصحية والتقاعدية، خاصة مع ارتفاع المنافسة وتغير أنماط الاستهلاك المالي لدى الطبقة الوسطى.
التعويضات تعززُ الثقة في المنظومة التأمينية
تبرزُ المعطيات المتعلقة بالتعويضات المدفوعة تطورا مهما في قدرة القطاع على الاستجابة لالتزاماته تجاه المؤمن لهم، حيث ارتفع إجمالي التعويضات المسددة بنسبة 18.4% ليبلغ 585.4 مليون دينار مقابل 494.4 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من سنة 2025.
وسجل التأمين على الحياة قفزة قوية في التعويضات بنسبة 45.1% لتصل إلى 172.3 مليون دينار مقابل 118.7 مليون دينار قبل سنة، بما يمثل 29.4% من إجمالي التعويضات المدفوعة للقطاع. كما بلغت تعويضات التأمين على غير الحياة نحو 413.1 مليون دينار بزيادة قدرها 10% .
واستحوذ فرع السيارات على النصيب الأكبر من التعويضات بقيمة 226.8 مليون دينار، أي ما يعادل 38.7% من إجمالي التعويضات، تلاه فرع المرض بتعويضات بلغت 139.8 مليون دينار ونمو بنسبة 17.6%. ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة لدوره في تعزيز الثقة في القطاع ويرفع من درجة المصداقية المالية لشركات التأمين، وهي عناصر أساسية لتوسيع قاعدة الحرفاء ورفع معدلات الاختراق التأميني داخل الاقتصاد الوطني.
التكامل المالي وافاق تطوير القطاع
يفرضُ التطور المطرد لنشاط التأمين في تونس تعزيز التكامل بين مختلف مكونات القطاع المالي، خاصة مع البنوك والسوق المالية ومؤسسات الاستثمار حيث أصبحت شركات التأمين من بين أبرز المستثمرين المؤسساتيين في الاقتصاد، كما باتت تمثل مصدرا متزايدا للسيولة طويلة الأجل.
ويكتسب هذا التكامل أهمية أكبر في ظل الحاجة إلى تنويع مصادر تمويل الاقتصاد وتقليص الاعتماد المفرط على التمويل البنكي التقليدي. كما يمكن لتطوير منتجات مشتركة بين البنوك وشركات التأمين، على غرار “التأمين البنكي”، أن يساهم في توسيع الشمول المالي ورفع نسب الادخار والتغطية التأمينية.
وتشير التجارب الدولية إلى أن الاقتصادات التي نجحت في بناء قطاعات تأمين قوية استطاعت في المقابل تطوير أسواق مالية أكثر عمقا وقدرة على تمويل الاستثمار والنمو. وفي هذا السياق، يبدو أن تونس تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتحويل قطاع التأمين من نشاط تعويضي تقليدي إلى رافعة مالية واستثمارية ذات تأثير مباشر على الاستقرار الاقتصادي والنمو طويل المدى.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية