تُبرز بيانات قطاع الكهرباء في تونس خلال سنة 2025 استمرار الاعتماد المكثف على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، رغم التوسع التدريجي في القدرات المركبة للطاقة المتجددة، وهو ما يعكس تعقيدات الانتقال الطاقي في اقتصاد ناشئ يواجه ضغوطًا مزدوجة تتعلق بأمن التزود بالطاقة وكلفة الواردات الطاقية من جهة، وبمتطلبات التحول المناخي من جهة أخرى .
وتفيد المعطيات الحديثة بأن الطلب على الكهرباء في البلاد تطور بنسبة 3.8% خلال سنة 2025 ليبلغ 24.9 تيراواط/ساعة، مقابل 24 تيراواط/ساعة في 2024، مدفوعًا بزيادة الاستهلاك الصناعي وارتفاع الطلب المنزلي المرتبط بموجات الحرارة والتوسع العمراني والتكنولوجي. ويأتي هذا التطور في سياق اقتصادي يتسم بتزايد الضغط على البنية التحتية الكهربائية، في وقت لا تزال فيه تونس تعتمد بصورة شبه كلية على الوقود الأحفوري لتأمين احتياجاتها من الطاقة الكهربائية .
وتُظهر تركيبة مزيج توليد الكهرباء خلال 2025 أن الغاز الطبيعي استحوذ وحده على 94.9% من إجمالي الإنتاج، مقابل 94.5% في السنة السابقة، بينما بلغت مساهمة النفط 1.04%، لترتفع بذلك الحصة الإجمالية للوقود الأحفوري إلى 96% من مزيج التوليد، مقارنة بـ95.6% في 2024. ورغم هذا الارتفاع، فإن حصة الغاز المسجلة خلال العامين الأخيرين تظل ثاني أدنى مستوى منذ سنة 2015، حين بلغت 92.3%، مما يعكس وجود تحسن نسبي مقارنة بالعقد الماضي، وإن ظل محدود الأثر على المستوى الهيكلي .
الغاز الطبيعي يعزز موقعه الاستراتيجي
يفرض الغاز الطبيعي نفسه بوصفه العمود الفقري للمنظومة الكهربائية الوطنية، بالنظر إلى محدودية البدائل القادرة على تأمين إنتاج مستقر وقابل للتعديل السريع وفق تغيرات الطلب. وتكتسب هذه المعادلة بعدًا جيواقتصاديًا مهمًا بالنظر إلى الارتباط العضوي بين تونس والغاز الجزائري عبر خط أنابيب “ترانسميد” العابر للمتوسط .
ويمثل هذا الخط، الذي دخل الخدمة الفعلية منذ سنة 1983، أحد أهم البنى التحتية الطاقية في شمال إفريقيا والبحر المتوسط، إذ يمتد على طول 1025 ميلًا وبقدرة تصديرية تصل إلى 34 مليار متر مكعب سنويًا نحو السوق الإيطالية. وتستفيد تونس من إتاوة عبور سنوية ومن كميات غاز مخصصة للسوق المحلية، وهو ما يمنحها هامشًا مهمًا لتأمين احتياجاتها الكهربائية في ظل تراجع الإنتاج المحلي للغاز .
وتتزامن هذه التطورات مع تنامي العجز الطاقي خلال السنوات الأخيرة، حيث تشير تقديرات رسمية إلى أن نسبة التبعية الطاقية تجاوزت 50%، في حين ارتفعت فاتورة واردات الطاقة بشكل ملحوظ تحت تأثير تقلبات الأسعار العالمية وتراجع الإنتاج الوطني من المحروقات. كما تستحوذ الشركة التونسية للكهرباء والغاز على حصة كبيرة من الدعم الطاقي العمومي، بما يزيد من الضغوط الواقعة على المالية العمومية .
تراجع مساهمة الطاقات النظيفة
تكشف الأرقام، وفق المعطيات التي نشرتها وحدة أبحاث الطاقة وهي وحدة بحثية مختصة في شؤون الطاقة ومقرها واشنطن، عن تراجع حصة الطاقات النظيفة في مزيج توليد الكهرباء في تونس إلى 4.03% فقط خلال 2025، مقابل 4.4% في السنة السابقة، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين نمو القدرات المركبة وبين مساهمتها الفعلية في الإنتاج الكهربائي .
وتراجعت مساهمة الطاقة الشمسية إلى 2.52% مقابل 2.62% في 2024، كما انخفضت حصة طاقة الرياح إلى 1.5% مقارنة بـ1.73% في السنة السابقة، بينما تقلصت مساهمة الطاقة الكهرومائية إلى 0.04% فقط، نتيجة محدودية الموارد المائية وتأثيرات الجفاف المتواصلة .
ويأتي هذا التراجع رغم نمو القدرة المركبة للطاقة المتجددة بنسبة 11% خلال سنة 2025 لتصل إلى 1.21 غيغاواط، كما أن هذه القدرات تضاعفت بنحو مرتين ونصف خلال السنوات العشر الأخيرة. وتستحوذ الطاقة الشمسية على الجزء الأكبر من هذا التطور، بعدما ارتفعت قدرتها المركبة إلى 895 ميغاواط بنهاية 2025، مدفوعة بتوسع مشاريع الإنتاج الذاتي والاستثمارات الخاصة ومحطات الطاقة الشمسية الجديدة .
غير أن قطاع الرياح يواجه حالة من الجمود شبه الكامل، إذ بقيت القدرة المركبة مستقرة عند 245 ميغاواط منذ سنة 2018 دون إضافات تُذكر، وهو ما يعكس بطء تنفيذ المشاريع الجديدة والصعوبات المرتبطة بالتمويل والإطار التنظيمي وربط المشاريع بالشبكة الوطنية .
الانتقال الطاقي يواجه تحديات هيكلية وتمويلية
يفرض واقع مزيج الكهرباء تحديات استراتيجية تتجاوز البعد التقني، لتلامس رهانات الأمن الطاقي والتوازنات المالية والسيادة الاقتصادية، فاستمرار الاعتماد المكثف على الغاز الطبيعي يجعل الاقتصاد التونسي شديد الحساسية تجاه تقلبات الأسعار العالمية واضطرابات الإمدادات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية المرتبطة بخفض الانبعاثات الكربونية .
وتسعى تونس رسميًا إلى رفع حصة الطاقات المتجددة إلى حدود 35% من إنتاج الكهرباء بحلول 2030، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استثمارات ضخمة في الشبكات الذكية والتخزين الكهربائي والبنية التحتية للنقل، إضافة إلى إصلاحات تنظيمية ومالية قادرة على جذب رؤوس الأموال الخاصة وتسريع إنجاز المشاريع المعطلة .
وتعكس أرقام 2025 أن الانتقال الطاقي في البلاد لا يزال يتحرك بوتيرة أبطأ من تطور الطلب المحلي على الكهرباء، وهو ما يفسر استمرار هيمنة الغاز الطبيعي على المنظومة الكهربائية، رغم التقدم النسبي المسجل في مشاريع الطاقة الشمسية. وفي ظل تزايد الطلب السنوي على الكهرباء وتنامي الضغوط المالية والمناخية، تبدو السنوات المقبلة حاسمة في تحديد قدرة تونس على بناء نموذج طاقي أكثر تنوعًا واستدامة وأقل هشاشة تجاه الصدمات الخارجية .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية