يشكّل انسحاب العملاق الإيطالي إيني من ائتلاف لاستكشاف الغاز يضم شركة «راتيو إنرجيز» الإسرائيلية و«دانا بتروليوم» البريطانية انتكاسة محرجة لإسرائيل.
رسميًا، يمكن للمجموعة الإيطالية أن تقدّم قرارها باعتباره خيارًا صناعيًا مرتبطًا بترشيد أنشطتها. غير أن التوقيت، وضغط المنظمات غير الحكومية، والحساسية السياسية للمناطق المعنية، تمنح هذا الانسحاب دلالة أثقل بكثير.
ووفق الصحافة الاقتصادية الإسرائيلية، أبلغت «راتيو»، التي تمتلك 15% من حقل الغاز «ليفياثان»، بورصة إسرائيل بأنها وجدت شريكًا دوليًا جديدًا في محاولة لإنقاذ رخصة الاستكشاف في الكتلة G، الواقعة في المياه الاقتصادية التي تسيطر عليها إسرائيل.
لكن القضية تزداد تعقيدًا؛ فبحسب المعلومات التي أوردتها الصحافة الإسرائيلية، اعتبر مفوّض النفط في وزارة الطاقة الإسرائيلية، تشين بار يوسف، أن مغادرة إيني تعادل انسحاب الائتلاف بأكمله. وقد يؤدي مثل هذا القرار إلى إلغاء الرخصة ومصادرة ضمانات مالية تُقدّر بـ1.25 مليون دولار.
وكانت الوسيلة الإعلامية الاقتصادية الإسرائيلية «غلوبس» قد أفادت، في مارس 2026، بأن إيني انسحبت من ائتلاف الاستكشاف الذي يضم «راتيو إنرجيز» و«دانا بتروليوم». ويضعف هذا الانسحاب التركيبة الأولية، لأن إيني كان من المفترض أن تؤدي فيها دورًا محوريًا باعتبارها فاعلًا دوليًا متمرسًا في مجال الاستكشاف البحري.
يعود هذا الملف إلى أكتوبر 2023. ففي ذلك التاريخ، أعلنت وزارة الطاقة الإسرائيلية إسناد 12 رخصة لاستكشاف الغاز إلى ست شركات، من بينها إيني، وBP، ودانا بتروليوم، وراتيو إنرجيز، وسوكار، ونيومد. وكان الهدف المعلن لإسرائيل هو تعزيز المنافسة، وتنويع المزودين، وتطوير احتياطات جديدة من الغاز الطبيعي قبالة سواحلها المتوسطية.
ومن بين المجموعات التي وقع اختيارها ائتلاف يضم إيني ودانا بتروليوم وراتيو إنرجيز، مكلفًا باستكشاف منطقة تقع غرب حقل ليفياثان. وكان لهذا الإسناد بُعد استراتيجي واضح، إذ تسعى إسرائيل منذ سنوات إلى ترسيخ موقعها كمنتج ومصدّر للغاز في شرق المتوسط.
لكن التوقيت المختار كان شديد الحساسية سياسيًا. فقد جاء إسناد الرخص بعد أسابيع قليلة فقط من اندلاع الحرب اللاإنسانية في غزة. وفي هذا السياق، لم تعد المشاريع الطاقية الإسرائيلية تُقرأ فقط من زاوية صناعية، بل أصبحت ترتبط فورًا بمسألة الحقوق الفلسطينية، والسيادة البحرية، والحرب، ومخاطر السمعة بالنسبة للشركات الأجنبية.
القراءة الأولى لانسحاب إيني هي أنه قرار مؤسساتي. ففي صناعة النفط والغاز، تعيد المجموعات الدولية تقييم محافظها بانتظام، وتفاضل بين المناطق الجغرافية، ومستويات المخاطر، والعوائد المتوقعة، وأولوياتها الاستراتيجية.
ومن ثم يمكن لإيني أن تدرج انسحابها ضمن منطق الترشيد الصناعي: تقليص التشتت، وإعادة التركيز على بعض الأصول، والتحفظ تجاه مشاريع ما تزال في مرحلة الاستكشاف، أو المفاضلة بين فرص متنافسة. وهذه الرواية ليست غير منطقية. فرخص الاستكشاف البحري تتطلب استثمارات ووقتًا ودراسات زلزالية وحفريات مكلفة وحدًا أدنى من الوضوح السياسي.
وفي هذا الإطار، يمكن تقديم الانسحاب من مشروع في مراحله الأولى كقرار تقليدي في إدارة المحفظة. غير أن هذا التفسير وحده لا يكفي لاستنفاد الموضوع.
القراءة الثانية، التي تحملها خصوصًا المنظمة الإيطالية غير الحكومية ReCommon وعدة منظمات فلسطينية، أكثر سياسية بكثير. فهي تعتبر أن انسحاب إيني جاء بعد حملة ضغط تهدف إلى التنديد بمشاركة المجموعة الإيطالية في مشروع استكشاف ضمن مناطق بحرية ينازع الفلسطينيون بشأنها.
وتؤكد ReCommon أن إيني أبلغت وزارة الطاقة الإسرائيلية بانسحابها من ائتلاف استكشاف الغاز في ما تقدمه المنظمة على أنه مياه فلسطينية. وترى المنظمة في ذلك نتيجة لضغط قانوني وسياسي ومدني مورس ضد مشاركة شركة أوروبية كبرى في مشروع إسرائيلي محل جدل.
وتكتسب هذه القراءة قوة إضافية لأن عدة منظمات فلسطينية، من بينها «الحق»، كانت قد دعت إيني ودانا بتروليوم وراتيو إلى الانسحاب. وترى هذه المنظمات أن بعض الرخص التي منحتها إسرائيل تمس فضاءات تندرج ضمن الحقوق البحرية الفلسطينية، وأن إسرائيل لم تكن تملك صلاحية إسنادها بصورة صحيحة.
بمعنى آخر، يمكن لقرار إيني أن يبقى رسميًا ذا طابع صناعي. لكنه، في السياق الحالي، ينتج أثرًا سياسيًا واضحًا: فهو يضعف ائتلافًا إسرائيليًا، ويمنح وزنًا لحجج المنظمات غير الحكومية، ويعزز فكرة أن المشاريع الاقتصادية المرتبطة بإسرائيل أصبحت أكثر خطورة بالنسبة للمجموعات الدولية الكبرى.
يقع جوهر الملف في الكتلة G، التي تقدمها المنظمات غير الحكومية كمنطقة حساسة قانونيًا وسياسيًا. وتؤكد عدة منظمات فلسطينية أن جزءًا من المناطق المشمولة بالرخص الإسرائيلية يتقاطع مع فضاءات بحرية تطالب بها فلسطين.
وهذه المسألة ليست تقنية فقط، بل تحيل إلى نقاش أوسع حول الحقوق الاقتصادية للفلسطينيين، والسيادة البحرية، والموارد الطبيعية، والسيطرة الإسرائيلية على الفضاءات المرتبطة بغزة. فقد ظلت مسألة الغاز البحري الفلسطيني، ولا سيما حول حقل غزة مارين، معلقة لسنوات بسبب النزاع والقيود التي فرضتها إسرائيل.
وفي هذا السياق، يصبح كل مشروع غازي إسرائيلي قريب من المناطق المتنازع عليها شديد الحساسية سياسيًا. وبالنسبة لشركة أوروبية مدرجة في البورصة، لم يعد الخطر جيولوجيًا أو ماليًا فقط، بل أصبح خطرًا على السمعة، وقانونيًا ودبلوماسيًا.
بالنسبة لإسرائيل، يأتي انسحاب إيني في توقيت غير مناسب. فالبلاد تسعى إلى تعزيز دورها كمركز غازي إقليمي، لا سيما عبر حقلي تمار وليفياثان. ويُعد هذا الأخير أحد الأصول الاستراتيجية الكبرى لإسرائيل في شرق المتوسط، كما يغذي صادرات نحو دول مجاورة.
وكانت إسرائيل قد صادقت في 2024 على زيادة صادرات الغاز من ليفياثان، مع مشروع توسعة يهدف إلى رفع الإنتاج السنوي من نحو 12 مليار متر مكعب إلى قرابة 21 مليار متر مكعب.
غير أن قضية إيني تظهر أن هذا الطموح الطاقي يصطدم الآن ببيئة أكثر عدائية. فالغاز الإسرائيلي لم يعد مجرد منتج استراتيجي، بل أصبح أيضًا رمزًا سياسيًا. وبالنسبة للمنظمات غير الحكومية والنشطاء المؤيدين للفلسطينيين، فهو يمثل اقتصاد حرب، واستغلالًا محل جدل للموارد، وامتدادًا للإفلات الإسرائيلي من العقاب.
في مواجهة انسحاب إيني، تحاول «راتيو إنرجيز» الحد من الخسائر. فقد أعلنت الشركة، التي تمتلك مساهمة في ليفياثان، أنها وجدت شريكًا دوليًا جديدًا لمحاولة الحفاظ على رخصة الاستكشاف. غير أن هذه المحاولة قد لا تكون كافية إذا أكدت وزارة الطاقة الإسرائيلية أن مغادرة إيني تعني انسحاب الائتلاف بأكمله.
وفي هذه الحالة، لن تكون القضية مجرد تعديل صناعي بسيط، بل ستتحول إلى نكسة إدارية ومالية وسياسية: إلغاء الرخصة، وخسارة الضمانات المالية المقدرة بـ1.25 مليون دولار، وتوجيه إشارة سلبية إلى المستثمرين الدوليين.
ويبقى هذا المبلغ متواضعًا مقارنة بحجم صناعة الغاز، لكنه مهم رمزيًا. فهو يظهر أن عدم الاستقرار السياسي المحيط بإسرائيل يمكن أن يتحول الآن إلى كلفة ملموسة، حتى في قطاعات استراتيجية للغاية مثل الطاقة.
توضح حالة إيني تطورًا مهمًا: لم يعد بإمكان الشركات الكبرى التعامل مع استثماراتها في إسرائيل كعمليات محايدة. فمنذ حرب غزة، تزايد الضغط الدولي على الشركات المرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بمشاريع إسرائيلية حساسة.
ولم تعد المنظمات غير الحكومية تكتفي بإدانة الدول، بل أصبحت تستهدف أيضًا الشركات، ومجالس إداراتها، ومستثمريها، والتزاماتها في مجال اليقظة، ومدى تعرضها للقانون الدولي. وفي حالة إيني، سعت ReCommon ومنظمات أخرى تحديدًا إلى نقل الملف من المجال الطاقي إلى مجال المسؤولية القانونية والأخلاقية.
وهذا ما يجعل القراءة الحقوقية أكثر إقناعًا مما قد يسمح به تفسير صناعي بسيط. صحيح أن إيني قد تكون أدرجت معايير اقتصادية ضمن قرارها، لكن التوقيت، وحملة المنظمات غير الحكومية، والحرب في غزة، والاعتراضات المتعلقة بالمياه الفلسطينية، ومخاطر الصورة، كلها عناصر متضافرة يصعب تجاهلها.
السؤال الآن هو ما إذا كان انسحاب إيني سيبقى حالة معزولة، أم أنه سيفتح الطريق أمام انسحابات أخرى. فقد دعت ReCommon بالفعل بقية الشركاء إلى اتباع النهج نفسه. كما تعتبر المنظمات الفلسطينية أن الشركات الأجنبية مطالبة بالانسحاب من كل نشاط من شأنه دعم أو إضفاء شرعية على الاستغلال الإسرائيلي لموارد محل نزاع.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن الخطر واضح: إذا بدأت مجموعات دولية كبرى في اعتبار المشاريع الإسرائيلية حساسة أكثر من اللازم، أو مكشوفة أكثر من اللازم، أو مكلفة جدًا من حيث الصورة، فقد تتأثر جاذبية القطاع الطاقي. ولن يعني ذلك بالضرورة انهيارًا اقتصاديًا، بل تآكلًا تدريجيًا للثقة.
وفي قطاع الطاقة، الثقة مسألة أساسية. فالمشاريع البحرية تُبنى على آفاق طويلة، وباستثمارات محتملة بمليارات الدولارات، ومخاطر جيولوجية، وشراكات معقدة. ولا يرغب أي مستثمر في أن يتحول مشروع إلى قضية سياسية عالمية حتى قبل بدء عمليات الحفر.
يمثل انسحاب إيني من الائتلاف مع «راتيو إنرجيز» و«دانا بتروليوم» انتكاسة سياسية لإسرائيل، حتى وإن كان بإمكان المجموعة الإيطالية تفسيره بمنطق صناعي. وهذه الفوارق مهمة: فليس المقصود الجزم بأن قرار إيني ناشط أو سياسي فقط، لكن سيكون من الاختزال أيضًا تقديمه كمجرد مفاضلة تقنية.
في السياق الحالي، يكتسب رحيل إيني دلالة أوسع. فهو يظهر أن المشاريع الطاقية الإسرائيلية أصبحت معرضة للضغط الدولي، وحملات المنظمات غير الحكومية، والمخاطر القانونية، والاعتراضات المرتبطة بالحقوق الفلسطينية.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن الرسالة مقلقة: الغاز البحري، الذي قُدم طويلًا كرافعة قوة اقتصادية ودبلوماسية، أصبح أيضًا مجال هشاشة. ومع استمرار الحرب في غزة في التأثير على صورتها، تصبح الشراكات الاقتصادية المرتبطة بإسرائيل أصعب دفاعًا عنها بالنسبة لبعض الشركات الدولية.
ربما لم تكن إيني ترغب في تحويل انسحابها إلى إعلان سياسي. لكن في الواقع، يوجّه رحيلها ضربة رمزية لإسرائيل: ضربة تتمثل في مجموعة أوروبية كبرى تفضل مغادرة مشروع حساس بدل تحمل كلفته السياسية وكلفة السمعة المرتبطة به.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية