آخر الأخبار

اتفاق واشنطن وطهران المرتقب.. روايتان إعلاميتان لمعركة لم تُحسم بعد

شارك

منذ مساء السبت، لم يعد الحديث عن الاتفاق المرتقب بين طهران وواشنطن مقتصرا على التسريبات الخاصة ببنوده، بل تحول إلى معركة مبكرة على تفسيره.

فالإعلام الأمريكي يقدم التفاهم المحتمل بوصفه إطارا مرحليا يفتح مضيق هرمز، ويخفف أزمة الطاقة، ويضع إيران أمام مسار تفاوض نووي خلال مهلة محددة. أما الإعلام الإيراني فيقدمه بوصفه تفاهما أوليا لإنهاء الحرب ورفع الحصار البحري، وينفي تضمينه أي تعهد نووي تنفيذي أو قبولا إيرانيا بتسليم مخزون اليورانيوم أو تعطيل المنشآت.

الرواية الأمريكية: فتح هرمز مقابل مسار نووي

أكثر الروايات الأمريكية تفصيلا جاءت من موقع أكسيوس، الذي نقل عن مسؤول أمريكي أن واشنطن وطهران تقتربان من تفاهم مؤقت مدته 60 يوما، يشمل تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، واستئناف صادرات النفط الإيراني، وبدء مفاوضات لاحقة بشأن البرنامج النووي.

ووفق هذه الرواية، يتضمن الإطار أيضا رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية وإصدار إعفاءات من العقوبات تسمح لإيران ببيع النفط، مقابل خطوات إيرانية في مضيق هرمز ومسار نووي لاحق. لكن الموقع نفسه يشير إلى أن التفاهم لا يزال عرضة للتغيير قبل الإعلان النهائي.

في هذه الرواية، لا يظهر رفع الحصار أو السماح ببيع النفط كاستجابة أمريكية مجانية لمطلب إيراني، بل كجزء من معادلة مشروطة.

فالإعلام الأمريكي يستخدم، صراحة أو ضمنا، منطق "التخفيف مقابل الأداء"، مشيرا إلى أن إيران تفتح هرمز، وتسمح بعودة الملاحة، وتدخل مفاوضات نووية، وفي المقابل تحصل على تخفيف اقتصادي محدود ومراقب. لذلك يصبح الاتفاق، في القراءة الأمريكية، أداة اختبار لإيران لا إقرارا بانتصارها.

وتعزز وول ستريت جورنال هذه الزاوية من خلال تصوير الإطار المطروح كمدخل لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، من دون أن يحسم الملفات الكبرى.

فالصحيفة تشير إلى أن الاتفاق يمنح الطرفين فترة تتراوح بين 30 و60 يوما للتوصل إلى صيغة أوسع، بينما تبقى القضايا الخلافية، وعلى رأسها القيود النووية ومستوى العقوبات ومصير اليورانيوم عالي التخصيب، في صلب المفاوضات اللاحقة.

أما واشنطن بوست فتقرأ الاتفاق من زاوية السياسة الداخلية الأمريكية. فهي تعرضه كمسار تدافع عنه إدارة ترمب أمام انتقادات جمهورية متشددة من شخصيات مثل تيد كروز وليندسي غراهام ومايك بومبيو، ترى أن تخفيف العقوبات قد يمنح إيران قوة اقتصادية وسياسية.

إعلان

في المقابل، يصر وزير الخارجية ماركو روبيو، وفق الصحيفة، على أن ترمب لن يقبل اتفاقا يجعل إيران أقوى نوويا، وأن الهدف الأمريكي المعلن ما زال منع طهران من امتلاك قدرة عسكرية نووية.

وتتعامل تغطيات أمريكية أخرى مع ملف اليورانيوم عالي التخصيب بوصفه إحدى العقد المركزية في أي اتفاق لاحق، من دون أن يكون ذلك محسوما في التفاهم الأولي.

فالرواية الأمريكية عموما تحاول إبقاء الملف النووي حاضرا منذ اللحظة الأولى، حتى إذا أُجّلت تفاصيله إلى مفاوضات تمتد بين 30 و60 يوما. وبذلك لا يظهر الاتفاق في الإعلام الأمريكي كترتيب لفتح هرمز فقط، بل كمدخل لإعادة إيران إلى مسار تفاوض نووي تحت ضغط زمني واضح.

وعليه، يمكن تلخيص الرواية الأمريكية في 3 نقاط: أولا، الاتفاق المحتمل يهدف إلى فتح مضيق هرمز وتهدئة الأسواق. ثانيا، التخفيف الاقتصادي لإيران مشروط ولا يقدم بوصفه رفعا كاملا للعقوبات. ثالثا، الملف النووي حاضر منذ البداية كعنوان تفاوضي، حتى لو أُجّلت تفاصيله التنفيذية إلى مرحلة لاحقة تمتد 30 أو 60 يوما.

الرواية الإيرانية: وقف الحرب أولا ولا تعهد نوويا فوريا

في المقابل، جاءت الرواية الإيرانية خلال الساعات الأخيرة بوصفها ردا مباشرا على ما تسرب في الإعلام الأمريكي. فقد نشرت وكالة فارس أن ما تروجه بعض وسائل الإعلام والمسؤولين الأمريكيين عن قبول إيران بتعهدات نووية، مثل خفض المخزون النووي أو إخراج المعدات أو تعطيل المنشآت، "لا أساس له".

ونقلت الوكالة عن مصادر مطلعة أن مسودة الاتفاق المحتمل لا تتضمن أي بند بشأن تعهدات نووية إيرانية، وأن كل ما يتعلق بالبرنامج النووي مؤجل إلى مفاوضات لاحقة بعد توقيع التفاهم.

وتذهب فارس أبعد من ذلك، إذ تقول إن إيران، وفق هذه الرواية، لا تتعهد في التفاهم الأولي بتسليم مخزونها النووي، ولا بإخراج المعدات، ولا بتعطيل المنشآت، ولا حتى بتعهد جديد بعدم تصنيع قنبلة نووية. وفي المقابل، تتحدث الوكالة عن تحرير كل الأموال الإيرانية المجمدة أو جزء منها، وفتح مضيق هرمز بعدد سفن قريب من مستوى ما قبل الحرب لكن "بإدارة إيران"، مع رفع الحصار البحري، وتعليق مؤقت لعقوبات النفط والغاز والبتروكيماويات خلال فترة التفاوض.

أما وكالة تسنيم فتركز على مضيق هرمز. فبحسبها، حتى إذا عاد عدد السفن العابرة إلى مستوى ما قبل الحرب خلال 30 يوما، فإن "وضع هرمز" نفسه لن يعود إلى ما قبل الحرب.

وتقول تسنيم إن إيران تؤكد "إعمال حقها السيادي على المضيق"، وإن أي تغيير في حركة العبور مشروط برفع الحصار البحري وتنفيذ الالتزامات الأمريكية الأخرى الواردة في مذكرة التفاهم المحتملة.

من جانبها، تقدم وكالة مهر، عبر تصريحات المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي، صيغة رسمية أكثر تفصيلا للرواية الإيرانية. فقد قال بقائي إن تركيز طهران في هذه المرحلة هو إنهاء الحرب في كل الجبهات، وإن المفاوضات تدور حول مذكرة تفاهم من 14 بندا جرى تبادلها أكثر من مرة.

وأوضح المتحدث أن البحث الراهن يتركز على الملفات التي تراها طهران أساسية، على أن تناقش التفاصيل خلال مدة لاحقة تتراوح بين 30 و60 يوما.

وفي الملف النووي، لا تنفي الرواية الإيرانية أن يكون هذا الملف حاضرا كعنوان لاحق، لكنها تنفي أن يكون جزءا تنفيذيا من التفاهم الأولي. فقد قال بقائي، وفق مهر، إن طهران لا تناقش في هذه المرحلة تفاصيل الملف النووي، وإن الأولوية الراهنة هي إنهاء الحرب، على أن يكون بحث النووي أو غيره من الموضوعات في مرحلة لاحقة بعد تثبيت مذكرة التفاهم.

إعلان

كما شدد بقائي على أن هرمز لا "يتعلق بأمريكا"، بل هو بين إيران وعُمان كدولتين ساحليتين، وأن المطلوب هو آلية تضمن العبور الآمن وتحفظ مصالح الدول الساحلية.

بدورها، تؤكد وكالة إيسنا المعنى نفسه في صيغة أكثر تفصيلا، حيث تقول إن الموضوع النووي وتحرير الأموال المجمدة واردان ضمن مذكرة التفاهم، وفق بقائي، لكن هذا لا يعني أن طهران قبلت التزامات نووية تنفيذية في المرحلة الأولى.

وهذا التفصيل قد يكون مهما من ناحية ضبط الرواية الإيرانية التي تشير إلى أن طهران لا تقول إن النووي غائب تماما عن الأفق، بل تقول إن تفاصيله مؤجلة، وإن التفاهم القريب لا يتضمن تسليم اليورانيوم أو تعليق التخصيب أو تعطيل المنشآت.

لذلك يمكن تلخيص الرواية الإيرانية في 3 نقاط: أولا، الاتفاق، إن تم، هو تفاهم لإنهاء الحرب لا اتفاق نووي. ثانيا، هرمز لا يعود إلى ما قبل الحرب بمعنى إلغاء الدور الإيراني، بل يفتح ضمن ترتيبات تحفظ ما تسميه طهران حقها السيادي. ثالثا، رفع الحصار وتحرير الأموال وتعليق بعض العقوبات ليست "حوافز أمريكية" في الخطاب الإيراني، بل شروط ضرورية للدخول في مفاوضات لاحقة.

أين تتقاطع الروايتان؟

تتقاطع الروايتان في أن مضيق هرمز بات مركز الاتفاق العاجل. فالإعلام الأمريكي يتحدث عن فتحه لتخفيف أزمة الطاقة والملاحة، والإعلام الإيراني يتحدث عن فتحه ضمن ترتيبات جديدة وبإدارة إيرانية. كما تتقاطعان في أن المطروح ليس اتفاقا نهائيا، بل مذكرة تفاهم أو إطارا مرحليا يفتح باب مفاوضات لاحقة خلال 30 أو 60 يوما.

وتتقاطع الروايتان أيضا في أن الملف النووي لم يخرج من المشهد. لكن موضعه داخل الاتفاق هو أصل الخلاف، حيث يقدمه الإعلام الأمريكي كهدف مركزي من المرحلة المقبلة، بينما الإعلام الإيراني يقدمه كملف مؤجل لا يفرض تعهدات فورية. ويظهر هذا التباين بوضوح بين ما نشره أكسيوس عن أن المسودة الأمريكية تتحدث عن مفاوضات لاحقة بشأن تعليق التخصيب وتقليص أو إزالة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وبين ما نشرته فارس من نفي إيراني لأي تعهد تنفيذي في التفاهم الأولي، سواء بتسليم المخزون أو تعطيل المنشآت أو إخراج المعدات.

أين تتصادم الروايتان؟

التصادم الأول يتعلق بتعريف الاتفاق، حيث يقدمه الإعلام الأمريكي كاختبار لإيران يتمثل بفتح هرمز، وتخفيف مشروط للعقوبات، ومفاوضات نووية قريبة. بينما يقدمه الإعلام الإيراني كاختبار لواشنطن متمثل في وقف الحرب، ورفع الحصار، وتحرير الأموال قبل الدخول في ملفات أكثر تعقيدا.

التصادم الثاني يتعلق بمضيق هرمز، حيث إن الرواية الأمريكية تؤكد أنه ممر دولي يجب أن يفتح بلا عوائق أو رسوم أو ألغام. وفي الرواية الإيرانية، هرمز ورقة سيادية وأمنية، لا يعود وضعه إلى ما قبل الحرب إلا من حيث عدد السفن العابرة، لا من حيث الدور الإيراني في إدارة العبور.

التصادم الثالث هو النووي، إذ يحاول الإعلام الأمريكي تثبيت أن التفاهم يجب أن يقود إلى تعهدات بشأن السلاح النووي والتخصيب ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب. بينما الإعلام الإيراني ينفي أن تكون طهران قبلت أي تعهد نووي تنفيذي في التفاهم الأولي، ويقول إن هذه الملفات تترك لمرحلة لاحقة.

التصادم الرابع يتعلق بالعقوبات والأموال المجمدة. في الرواية الأمريكية، التخفيف الاقتصادي ورقة تمنح تدريجيا مقابل أداء إيراني. في الرواية الإيرانية، رفع الحصار وتحرير الأموال شرط لإنهاء الحرب وفتح طريق التفاوض، لا مكافأة أمريكية لطهران.

ما تشكل خلال الساعات الأخيرة ليس اتفاقا معلنا بقدر ما هو معركة على معنى الاتفاق قبل توقيعه. الإعلام الأمريكي يحاول تقديمه كصيغة تضبط إيران متمثلة في فتح هرمز، وتخفيف مشروط للعقوبات، ومفاوضات نووية خلال مهلة قصيرة. أما الإعلام الإيراني فيحاول تقديمه كصيغة تضبط واشنطن متمثلة في إنهاء الحرب، ورفع الحصار، وحفظ الدور الإيراني في هرمز من دون أي تنازل نووي فوري.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا