قالت رئيسة هيئة المهندسين المعماريين السابقة، ليلى بن جدو، إن مفهوم البناء المستدام يقوم أساساً على إنجاز مبانٍ تقلل من التأثيرات السلبية على البيئة والمحيط، عبر اعتماد مواد وتقنيات غير مستنزفة للطاقة، إلى جانب تشجيع حلول تحافظ على الموارد وتدعم النجاعة الطاقية.
وأضافت على هامش لقاء استراتيجي رفيع المستوى حول مستقبل قطاع البناء المستدام، نظّمته غرفة التجارة والصناعة التونسية -الفرنسية، أن تونس بدأت تدريجياً في تبني هذا التوجه، بالتعاون مع عدد من الهياكل والمؤسسات، في إطار أهداف عالمية تمتد إلى سنة 2050، معتبرة أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب المرور عبر مراحل تدريجية وتشجيعات حقيقية للباعثين العقاريين والمستثمرين.
وشددت بن جدو على أن الاستدامة لا تتعلق بالبنايات فقط، بل تشمل كذلك التخطيط العمراني والنقل والفضاءات الحضرية، معتبرة أن المدن المستدامة هي مدن قادرة على الصمود وتقلص من استهلاك الطاقة في مختلف مكوناتها، خاصة في قطاع النقل الذي يمثل أحد أكبر مصادر استهلاك الطاقة.
وأكدت على أن تحقيق مدن مستدامة يتطلب رؤية شاملة تجمع بين البناء المستدام، والتخطيط العمراني الذكي، وتطوير وسائل النقل، بما يضمن التوازن بين التنمية وحماية البيئة وجودة الحياة.
وأوضحت، أن المهندس المعماري أصبح اليوم فاعلاً أساسياً في مسار الانتقال نحو البناء المستدام، باعتباره الطرف الذي يضع تصور المشروع منذ بدايته ويشرف على مختلف مراحله إلى حين تحقيق الأهداف البيئية والعمرانية المرجوة.
وبيّنت أن قضايا البناء المستدام لم تعد مرتبطة بالبناء فقط، بل أصبحت جزءاً من رهانات عالمية تشمل المناخ، والقدرة على التكيّف، وجودة الحياة، وترشيد استهلاك الطاقة والموارد الطبيعية.
وأضافت أن حضور المهندس المعماري التونسي داخل هذه التظاهرات يمثل تثبيتاً لدوره في التحولات الجديدة التي يعرفها القطاع، مشيرة إلى أن تونس استعادت نسق النشاط المهني بعد فترة جائحة كوفيد-19، وأصبحت من أبرز الفضاءات المغاربية المهتمة بملفات البناء المستدام.
من جهته، أكد غيلان بعزيز، ممثل عمادة المهندسين التونسيين، أن تونس تمتلك اليوم كل المقومات التي تؤهلها لتكون فاعلًا إقليميًا مهمًا في مجالات البناء المستدام والديكربنة والنجاعة الطاقية، مشددًا على أن المهندس التونسي يمثل العنصر الرئيسي في هذا التحول.
وفي حديثه عن البناءات الذكية، أوضح أن الأمر يتعلق باستخدام تكنولوجيات حديثة وبسيطة داخل المنازل والإدارات والنزل والمنشآت الصناعية بهدف تحسين استهلاك الطاقة والرفع من النجاعة الطاقية، مؤكدًا أن هذه الحلول أصبحت في متناول الجميع ولم تعد مكلفة كما كان يُعتقد سابقًا.
كما شدد بعزيز على أهمية البرامج الوطنية الهادفة إلى تقليص الانبعاثات الكربونية، خاصة في قطاعي البناء والصناعة، مبينًا أن تونس تعمل كذلك على تكوين جيل جديد من الخبراء المختصين في مجالات الديكربنة والانتقال الطاقي.
واعتبر أن تونس تمتلك فرصة استراتيجية كبيرة في المرحلة المقبلة، خاصة مع توجه أوروبا المتسارع نحو الاقتصاد الأخضر وتقليص البصمة الكربونية، مشيرًا إلى أن نقص الخبرات في هذا المجال داخل أوروبا يمكن أن يفتح آفاقًا واسعة أمام الكفاءات التونسية.
وأضاف أن قرب تونس الجغرافي من أوروبا يمثل عنصر قوة مهمًا، إذ يمكن أن يشجع الشركات الأوروبية على توطين جزء من إنتاجها الصناعي في تونس بدل نقله إلى بلدان بعيدة، بما يساهم في تقليص كلفة النقل والانبعاثات الكربونية، وفي الوقت نفسه خلق ديناميكية اقتصادية وفرص تشغيل جديدة.
وفي ختام تصريحه، أشار عميد المهندسين التونسيين إلى أن مغادرة آلاف المهندسين التونسيين نحو الخارج تبقى مسألة مؤسفة، لكنها تعكس في المقابل القيمة العالية للمهندس التونسي والكفاءة التي يتمتع بها على المستوى الدولي، مؤكدًا أن الطلب العالمي المتزايد على الخبرات التونسية يعد دليلًا واضحًا على جودة التكوين والكفاءة المهنية في تونس.
نسرين علوش
المصدر:
جوهرة