آخر الأخبار

ترامب في مواجهة شي: لماذا أعطت زيارة بكين صورة عن أمريكا أقلّ هيمنة؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تواصل زيارة دونالد ترامب إلى بكين إثارة التحليلات في الصحافة الغربية. فقد رصدت عدة صحف بريطانية وأمريكية تباينًا لافتًا بين موقف الرئيس الأمريكي ونظيره الصيني شي جين بينغ، الذي وُصف بأنه أكثر هدوءًا وثقةً وتحكمًا في المشهد السياسي والرمزي.

ومن صحيفة «ذا تايمز» إلى «الغارديان»، مرورًا بـ«نيويورك تايمز» و«ذي إندبندنت»، يتكرر الاستنتاج ذاته: في هذا المشهد الدبلوماسي شديد الإخراج، ظهر شي جين بينغ ممثلًا لقوة مستقرة ومنهجية، بينما أعطى دونالد ترامب صورة قائد أكثر تقلّبًا، وأكثر ميلًا إلى منطق الصفقات، وأحيانًا متساهلًا بشكل لافت تجاه بكين.

معبد السماء كديكور رمزي

يبقى أكثر مشاهد الزيارة إثارة للتعليقات هو زيارة معبد السماء في بكين، ذلك المكان الرمزي للسلطة الإمبراطورية الصينية. ويرى ريتشارد سبنسر، في صحيفة «ذا تايمز»، أن هذا المشهد لخّص وحده ميزان القوة النفسية بين الزعيمين.

وبحسب الصحيفة البريطانية، بدا شي جين بينغ في غاية الارتياح داخل هذا الفضاء المحمّل بالتاريخ والرموز الإمبراطورية، مجسّدًا صورة الصين التي تقدم نفسها اليوم كقوة مستقرة، هرمية وواثقة من ذاتها. في المقابل، بدا دونالد ترامب أقل تحكمًا في حضوره العام، وأكثر خضوعًا للبروتوكول الصيني.

ولا يقتصر هذا التباين على الأسلوب الشخصي فحسب. فوفقًا لـ«ذا تايمز»، يستمد شي قوته من نظام سياسي شديد المركزية يمنحه سلطة شبه مطلقة، حتى وإن كان ذلك يجعله في مواجهة مباشرة مع تبعات الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية داخل الصين.

أما ترامب، فيظل مرتبطًا بنهج أكثر اندفاعًا، يقوم على موازين القوة المباشرة، والمفاوضات السريعة، والتأثيرات الإعلامية.

الصين تُقدَّم كقوة مستقرة

ترى صحيفة «الغارديان» أن شي جين بينغ نجح في تجسيد صورة «قائد إمبراطوري حديث»، قادر على تقديم الصين كدولة منضبطة ومنظمة في مواجهة غرب يُنظر إليه باعتباره أكثر تشتتًا واضطرابًا.

وتشير الصحيفة أيضًا إلى أن دونالد ترامب يبدو منبهرًا ببعض جوانب النظام الصيني، ولا سيما الانضباط البروتوكولي، والمراسم الرسمية، وصورة السلطة المركزية. ووفق هذه القراءة، بدا ترامب في بكين أكثر مرونةً وتصالحًا مما يكون عليه عادةً في تعامله مع الديمقراطيات الغربية.

ورغم الصعوبات الاقتصادية المرتبطة بتباطؤ النمو، وأزمة العقارات، فضلًا عن الشيخوخة الديمغرافية، تواصل بكين بذلك إبراز انطباع بالاستقرار الاستراتيجي، في وقت تبدو فيه واشنطن أكثر تقلبًا وخضوعًا للدورات السياسية الداخلية.

تايوان.. الملف الذي تجنّبه ترامب

شكّل ملف تايوان أحد أكثر النقاط حساسية خلال الزيارة. وينقل ديفيد سانغر، في صحيفة «نيويورك تايمز»، أن شي جين بينغ استغل اللقاءات الرسمية للتذكير بحزم بالخطوط الحمراء الصينية بشأن هذه المسألة.

ويُقال إن الرئيس الصيني حذّر واشنطن من أن سوء إدارة ملف تايوان قد يدفع العلاقات الصينية الأمريكية نحو وضع «بالغ الخطورة»، بل وربما إلى مواجهة مباشرة.

ورغم هذا التحذير، بدا دونالد ترامب حذرًا ومتصالحًا نسبيًا. فوفقًا لديفيد سانغر، فضّل الرئيس الأمريكي إبراز العلاقة الشخصية بين الزعيمين، والحديث عن «مستقبل رائع» للعلاقات الثنائية، بدل التركيز على ملفات المواجهة التقليدية مثل حقوق الإنسان أو التوترات العسكرية.

وقد غذّى هذا الموقف انتقادات بعض المحللين الأمريكيين، الذين يرون أن ترامب يبدو أقل تمسكًا بالالتزامات التاريخية للولايات المتحدة تجاه تايوان.

زيارة متمحورة حول الأعمال

عنصر آخر توقفت عنده وسائل الإعلام الغربية يتمثل في اختلاف المقاربة بين الوفدين.

فقد ركّز دونالد ترامب أساسًا على الاتفاقات الاقتصادية، والتجارة، والملفات العملية، ولا سيما شراء الطائرات، والاستثمارات، والتعاون الإقليمي. أما شي جين بينغ، فقد فضّل مقاربة أكثر استراتيجية، تتمحور حول التوازن العالمي، والسيادة الصينية، وإدارة العلاقات طويلة المدى بين القوتين.

وكان الرئيس الأمريكي مرفوقًا بعدد من أبرز وجوه عالم الاقتصاد والتكنولوجيا في الولايات المتحدة، من بينهم إيلون ماسك، وتيم كوك، وجنسن هوانغ. ويؤكد حضورهم أن العلاقة بين واشنطن وبكين لم تعد تقتصر على التجارة التقليدية؛ فقد أصبحت أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والسيارات الكهربائية، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيات الحيوية، هي الرهانات الحقيقية في ميزان القوة الصيني الأمريكي.

أمريكا أقل ثقة بنفسها؟

أحد أكثر النقاط التي علّقت عليها الافتتاحيات الغربية يتصل بتغير النظرة إلى ميزان القوة بين الولايات المتحدة والصين.

فبالنسبة إلى «ذا تايمز» و«الغارديان»، يبدو أن العالم يتجه تدريجيًا إلى تقبّل شي جين بينغ، ليس بوصفه زعيم قوة صاعدة فحسب، بل باعتباره ممثلًا لمركز قوة قادر على منافسة واشنطن مباشرة.

ولم يعد الفارق بين البلدين أيديولوجيًا فقط — ديمقراطية في مواجهة سلطوية — بل بات مرتبطًا أيضًا بأسلوب القيادة. فشي يظهر كقائد يتحرك ضمن استراتيجية طويلة ومتناسقة، بينما يُوصف ترامب غالبًا بأنه أكثر تقلبًا، وأكثر اندفاعًا وراء أهداف فورية.

حتى الانتقادات الموجهة إلى الصين بشأن حقوق الإنسان أو الحريات السياسية غابت إلى حدّ كبير عن هذه الزيارة. ويعكس هذا الصمت أيضًا تحولًا في الأولويات: إذ تبدو إدارة ترامب أكثر ميلًا إلى تغليب موازين القوة، والعقود، والتوازنات الاستراتيجية، على الخطاب الأمريكي التقليدي بشأن القيم الديمقراطية.

بقية العالم معنية بصورة غير مباشرة

بالنسبة إلى الدول الأخرى، لا يُعد هذا التطور في ميزان القوة العالمي مسألة مجردة. فالصين تحتل مكانة متزايدة الأهمية في المبادلات التجارية العالمية، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، بينما تظل الولايات المتحدة قوة مركزية بالنسبة إلى النظام المالي والاستقرار الجيوسياسي.

لذلك، يمكن لكل توتر أو تقارب بين واشنطن وبكين أن يترك آثارًا غير مباشرة على الأسواق، والنقل البحري، وأسعار الطاقة، والاستثمارات، وكلفة الواردات.

وبعيدًا عن الصور البروتوكولية والتصريحات الدبلوماسية، أعطت زيارة ترامب إلى بكين قبل كل شيء انطباعًا قويًا: أننا أمام عالم لم تعد فيه الصين تسعى فقط إلى اللحاق بالولايات المتحدة، بل إلى انتزاع الاعتراف بها كقوة مساوية، واثقة من نموذجها ومن نفوذها.

وفي هذا الإخراج المحكم، رأت عدة صحف غربية أن شي جين بينغ بدا وكأنه يلعب على أرضه، بينما ظهر دونالد ترامب وكأنه يتحرك على أرضية رسمتها بكين.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا