تفرضُ ريادةُ الأعمال نفسها تدريجيا كأحد أهم الرهانات الاقتصادية في تونس، في ظلّ التحولات العميقة التي يشهدها سوق الشغل وتراجع قدرة القطاعات التقليدية على استيعاب آلاف خريجي الجامعات سنويا.
ومع ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب، خاصة أصحاب الشهائد العليا، أصبحت المؤسسات الناشئة والمشاريع المبتكرة تمثل بديلا اقتصاديا واستراتيجيا لإعادة تشكيل النمو وخلق الثروة وتحفيز الاستثمار الخاص .
منظومة ريادة أعمال أكثر نضجا
تكشف المؤشرات الحديثة أن تونس باتت تمتلك منظومة ريادة أعمال أكثر نضجا مقارنة بالعقد الماضي، مدفوعة بإطار قانوني جديد وبرامج تمويل ومرافقة متعددة. ووفق معطيات حديثة صادرة سنة 2025، بلغ عدد الشركات الناشئة الحاصلة على علامة المؤسسة الناشئة نحو 1146 مؤسسة ناشئة، مع توجه رسمي لتمويل ما لا يقل عن 230 مؤسسة إضافية خلال المرحلة القادمة، بدعم من برامج تمولها مؤسسات دولية على غرار البنك الدولي الذي خصص نحو 75 مليون دولار لدعم المؤسسات الناشئة التونسية .
وتبين الدراساتُ الحديثة أن ريادة الأعمال لدى الشباب في تونس لم تعد تقتصر على الأنشطة التجارية التقليدية، لكنها بدأت تتجه تدريجيا نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وخاصة الاقتصاد الرقمي، والخدمات التكنولوجية، والصناعات الإبداعية، والتكنولوجيا المالية، والطاقات المتجددة، والصناعات الصحية .
كما تشير تقارير متخصصة حول منظومة الابتكار التونسية لسنة 2025 إلى أن عددا متزايدا من رواد الأعمال الشباب يتجهون إلى بناء شركات قابلة للتوسع الإقليمي والدولي، مستفيدين من الكفاءات التقنية المحلية وانخفاض كلفة التشغيل مقارنة بعدد من الأسواق المنافسة. وساهم قانون المؤسسات الناشئة في تحسين جاذبية تونس نسبيا لدى المستثمرين وصناديق رأس المال المجازف، رغم استمرار بعض العراقيل المرتبطة بالإجراءات الإدارية وصعوبة النفاذ إلى التمويل البنكي التقليدي .
ريادة الأعمال خيار مهني واعد
تبرز المؤشرات أيضا وجود تحولات اجتماعية وثقافية مهمة داخل المجتمع التونسي، حيث أصبحت ريادة الأعمال خيارا مهنيا أكثر قبولا لدى فئة الشباب، خاصة مع تنامي الاقتصاد الرقمي والعمل الحر. كما ساهم نظام “المبادر الذاتي” في استقطاب جزء من الأنشطة غير المهيكلة نحو الاقتصاد المنظم، عبر توفير إطار قانوني وضريبي مبسط لفائدة أصحاب المشاريع الصغيرة والخدمات الرقمية والمهن الحرة .
ويظلُّ التمويلُ العاملَ الحاسم في تطور ريادة الأعمال في تونس، باعتباره الحلقة الأكثر حساسية داخل دورة إنشاء المؤسسات الناشئة فرغم تعدد برامج الدعم، لا تزال نسبة كبيرة من الشباب تواجه صعوبات فعلية في تعبئة الموارد المالية الضرورية خلال المراحل الأولى للمشروع .
وتؤكد عدة دراسات وتقارير أن البنوك التونسية ما تزال متحفظة نسبيا تجاه تمويل المشاريع المبتكرة ذات المخاطر المرتفعة، بسبب غياب الضمانات التقليدية وضعف قدرة المؤسسات الناشئة على تقديم سجلات مالية مستقرة. وقد دفع هذا الواقع نحو توسع دور آليات التمويل البديل، وخاصة صناديق الاستثمار، ورأس المال المجازف، والتمويل الصغير، وبرامج التمويل الدولية .
وفي هذا السياق، سجل قطاع التمويل الصغير في تونس نموا لافتا خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوز عدد المنتفعين بالقروض الصغرى 821 ألف شخص إلى حدود منتصف 2025، بقيمة اجمالية للقروض بلغت حوالي 2.7 مليار دينار، مقابل 2.34 مليار دينار سنة 2024، أي بزيادة سنوية تناهز 16.3 بالمائة. كما حصل أكثر من 17 ألف تونسي على تمويل لأول مرة خلال الثلاثي الثاني من 2025 .
وتبرز أهمية هذه الأرقام في كونها تعكس توسع قاعدة النفاذ إلى التمويل لفائدة الفئات الشابة وأصحاب المشاريع الصغيرة، خاصة في الجهات الداخلية التي تعاني تاريخيا من ضعف الاستثمار وارتفاع البطالة. كما يشكل التمويل الصغير أداة إدماج اقتصادي واجتماعي مهمة لفائدة النساء والشباب وحاملي المشاريع الفردية .
دور محوري لهياكل الاسناد
تلعبُ هياكلُ الإسناد دورا محوريا في تعزيز منظومة ريادة الأعمال، عبر توفير المرافقة الفنية والتكوين والربط بالمستثمرين والأسواق حيث ساهمت خلال السنوات الماضية حاضنات الأعمال، ومسرعات المشاريع، ومراكز الابتكار، وبرامج التعاون الدولي، في تحسين البيئة الريادية وتطوير قدرات أصحاب المشاريع .
وتشير المعطيات إلى أن عددا من البرامج المدعومة أوروبيا ودوليا ساهم في تعزيز البنية المؤسساتية للمنظومة الريادية التونسية، على غرار برنامج “Innov’i – EU4Innovation” الذي ركز على هيكلة منظومة الابتكار وتحسين خدمات الدعم والمرافقة لفائدة المؤسسات الناشئة .
كما برزت أهمية الدور الذي تضطلع به مؤسسات مثل “سمارت كابيتال” وصناديق الاستثمار العمومية وشبكات المستثمرين الملائكيين في تمويل المراحل المبكرة للمشاريع المبتكرة وربطها بالأسواق الدولية. وفي المقابل، لا تزال الحاجة قائمة إلى مزيد من التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتبسيط الإجراءات، وتسريع الرقمنة الإدارية، وتعزيز الثقافة المالية لدى أصحاب المشاريع .
هذا وتفتحُ التحولاتُ الاقتصادية والتكنولوجية الحالية آفاقا واعدة أمام ريادة الأعمال في تونس، خاصة في القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والخدمات الصحية، والتكنولوجيا المالية، والصناعات الثقافية والإبداعية .
مقومات التنافسية
يبدو أن تونس تمتلك عددا من المقومات التنافسية المهمة، أبرزها الكفاءات البشرية العالية، والقدرات الهندسية والتكنولوجية، والموقع الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية والإفريقية. كما يمكن أن تتحول الجالية التونسية بالخارج إلى رافعة استثمارية وريادية مهمة، خاصة مع وجود اهتمام متزايد لدى جزء من الكفاءات التونسية بالخارج بإطلاق مشاريع ناشئة داخل البلاد .
غير أن نجاح هذا التحول يظل مرتبطا بقدرة الاقتصاد التونسي على بناء منظومة تمويل أكثر مرونة وابتكارا، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الثقة لدى المستثمرين، وربط الجامعة بالمؤسسة الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية الرقمية واللوجستية .
وتبدو عموما ريادة الأعمال الشابة في تونس اليوم أمام مرحلة مفصلية، لم تعد فيها خيارا اجتماعيا لمواجهة البطالة فقط، بل أصبحت تدريجيا رافعة اقتصادية كلية يمكن أن تسهم في إعادة تشكيل نموذج النمو، وتنويع مصادر الثروة، وخلق جيل جديد من المؤسسات القادرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي وتحفيز الاستثمار والإنتاج والتشغيل .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية