وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في قلب عاصفة سياسية حادة، بعد تصريح وُصف بالقاسي بشأن الوضع المالي للأمريكيين، في سياق متوتر أصلا بسبب الحرب مع إيران، وارتفاع أسعار الطاقة، والضغوط المتزايدة على الاقتصاد الأمريكي.
وخلال حديثه مع الصحفيين في حدائق البيت الأبيض، قبيل مغادرته في زيارة دبلوماسية إلى الصين، سُئل دونالد ترامب عن تأثير الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الأمريكيون على رغبته في التوصل إلى اتفاق مع طهران.
وقد أحدث جوابه صدمة سياسية فورية في واشنطن.
وقال ترامب: «على الإطلاق»، ردا على سؤال أحد الصحفيين عما إذا كان يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال المفاوضات مع إيران. وأضاف الرئيس الأمريكي أن «الشيء الوحيد المهم» هو منع إيران من امتلاك السلاح النووي.
وتابع قائلا: «أنا لا أفكر في الوضع المالي للأمريكيين. لا أفكر في أي شخص. أفكر في شيء واحد فقط: لا يمكننا السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. هذا كل شيء».
وتفاقم الجدل أكثر عندما سأله صحفي آخر عما إذا كان لا يأخذ فعلا في الاعتبار التأثير الاقتصادي للحرب.
وأكد ترامب موقفه، معتبرا أن الأولوية تبقى «بفارق كبير جدا» منع إيران من امتلاك سلاح نووي، حتى وإن أدى ذلك إلى اضطرابات في الأسواق المالية.
غير أن الرئيس الأمريكي حاول التقليل من المخاوف الاقتصادية، مؤكدا أن البورصة الأمريكية لا تزال عند مستويات تاريخية مرتفعة.
تأتي هذه التصريحات في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي. فقد أدت مواصلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية.
ووفق عدد من وسائل الإعلام الأمريكية، بلغ متوسط سعر البنزين العادي في الولايات المتحدة 4.50 دولارات للغالون، فيما ارتفع سعر الديزل إلى 5.64 دولارات.
كما تسارعت وتيرة التضخم الأمريكي، حيث بلغ 3.8% في أفريل، وهو أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات. وبحسب مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، تمثل تكاليف الطاقة أكثر من 40% من الزيادة الشهرية في مؤشر الأسعار.
وكان دونالد ترامب قد رفض، يوم الأحد، آخر مقترح إيراني لإنهاء النزاع، واصفا إياه بـ«غير المقبول». ثم أعلن يوم الاثنين أن وقف إطلاق النار الحالي بات «تحت أجهزة الإنعاش»، ما عزز المخاوف من إطالة أمد الحرب وتداعياتها الاقتصادية.
وبالنسبة إلى الدول المستوردة للطاقة مثل تونس، فإن ارتفاع أسعار النفط وتسارع التضخم الأمريكي يمثلان بدورهما إشارة إنذار.
فأي صعود مستمر في أسعار الطاقة عالميا ينعكس عادة على المالية العمومية، وكلفة النقل، وأسعار الاستهلاك في الاقتصادات المعتمدة على واردات المحروقات.
تحولت تصريحات ترامب بسرعة إلى سلاح سياسي بارز في يد الديمقراطيين، الذين رأوا فيها دليلا على وجود فجوة عميقة بين الرئيس وانشغالات الأمريكيين اليومية.
ونشرت الرئيسة السابقة لمجلس النواب نانسي بيلوسي رسالة قصيرة، لكنها لاقت تداولا واسعا على منصة X، قالت فيها: «هل يمكن أن يكون الأمر أوضح من ذلك؟ دونالد ترامب لا يهتم بكم. وكما قال بنفسه: على الإطلاق».
واتهم النائب الديمقراطي جيسون كرو ترامب بعدم الاكتراث بارتفاع كلفة المعيشة ولا بالصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الأمريكيون.
من جهتها، ربطت النائبة أيانا بريسلي تصريحات الرئيس مباشرة بارتفاع أسعار الوقود والغذاء والتأمين الصحي، مؤكدة أن ترامب لم يفعل سوى تأكيد ما يندد به خصومه منذ فترة طويلة.
أما السيناتور بيرني ساندرز، فقد وجه أحد أعنف الانتقادات، واصفا ترامب بأنه «أكبر نرجسي»، ومعتبرا أن معاناة الطبقة الوسطى الأمريكية لا تعنيه.
كما أعاد عدد من المسؤولين الديمقراطيين المحليين استعمال عبارة «على الإطلاق» لتصوير ما يعتبرونه ازدراء رئاسيا للصعوبات اليومية التي تواجه الأسر.
وقال حاكم إلينوي، ج. ب. بريتزكر، إن ترامب «لا يهتم بمعرفة ما إذا كان الأمريكيون لا يزالون قادرين على دفع ثمن مشترياتهم أو وقودهم».
وفي بنسلفانيا، ذكّر الحاكم جوش شابيرو بأن سعر البنزين تجاوز 4.60 دولارات للغالون في ولايته، متهما «فوضى ترامب» بتفاقم تكاليف المعيشة.
في مواجهة الجدل، حاول عدد من المنتخبين الجمهوريين الدفاع عن دونالد ترامب، لكن غالبا بحذر واضح.
وبدت السيناتورة سينثيا لوميس محرجة عندما سُئلت عن تصريحات الرئيس، واكتفت بالقول: «هل قال ذلك فعلا؟ أعتقد أنه يهتم حقا بالأمريكيين».
أما النائب الجمهوري ريتش ماكورميك، فاعتبر أن تصريحات ترامب أُخرجت على الأرجح من سياقها، مؤكدا أنه لا يوجد ملف أكثر أهمية بالنسبة إلى الرئيس من الوضع الاقتصادي للأمريكيين.
واعتمد منتخبون محافظون آخرون استراتيجية مشابهة، محاولين تقديم ترامب في صورة رئيس وطني يركز قبل كل شيء على الأمن القومي.
وقال النائب الجمهوري تروي نيلز إن ترامب «يحب أمريكا» و«يهتم بالجميع»، داعيا إلى عدم تحريف تصريحاته.
ومع مرور الساعات، تحولت هذه الواقعة من مجرد زلة كلامية إلى أزمة سياسية وإعلامية حقيقية.
بالنسبة إلى الديمقراطيين، تلخص عبارة ترامب بشكل مثالي اتهامهم المتكرر له: رئيس منفصل عن الصعوبات الاقتصادية التي تعيشها الطبقات الوسطى والشعبية.
أما بالنسبة إلى الجمهوريين، فتبدو مهمة الدفاع أكثر تعقيدا، لأن دونالد ترامب لم يكتف بنطق العبارة، بل أكد معناها صراحة عندما سُئل عنها مرة ثانية.
وفي أمريكا المنهكة أصلا بفعل التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والتداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران، قد تتحول هذه التصريحات إلى شعار سياسي طويل الأمد.
وبعيدا عن الجدل الآني، تكشف هذه الواقعة خصوصا عن معضلة أعمق أمام البيت الأبيض: إلى أي مدى يبقى الأمريكيون مستعدين لتحمل الكلفة الاقتصادية لمواجهة طويلة مع إيران باسم الأمن القومي؟
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية