بقلم د. بدر السماوي، خبير في الحماية الاجتماعية
عاد الجدل هذه الأيام حول مقترح قانون لإحداث ” تقاعد مبكر اختياري للمرأة العاملة في القطاع الخاص” كانت تقدمت به مجموعة من النواب في شهر جويلية 2025 ونص على تمكين المرأة العاملة في القطاع الخاص من الإحالة على التقاعد في سن الخمسين دون شرط وجود أطفال مع اشتراط استكمال 20 سنة من الاشتراكات في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
في القطاع الخاص فقط؟
اقتصر مقترح القانون على المرأة العاملة في القطاع الخاص فقط وهو خيار غير مبرر. فإذا كان السبب ظروف العمل الصعبة للمرأة العاملة في ” القطاع الخاص” فهذا نسبي ذلك أن هناك في القطاع الخاص نساء تعملن في ظروف عادية مثل الأعمال الإدارية وفي المقابل هناك في القطاع العمومي نساء تشتغلن في ظروف صعبة مثل الصحة. ولم يوضح مقترح القانون هل أن هذا الشكل الجديد من التقاعد المبكر في القطاع الخاص يشمل فقط العاملات في نظام الأجراء في القطاع غير الفلاحي مثلما هو موجود حاليا بالنسبة للتقاعد للأم لثلاثة أطفال أم يشمل الأجيرات في القطاع الفلاحي أم العاملات غير الأجيرات في القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي ولم لا بقية الأنظمة التي يتصرف فيها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ذلك أن المقترح استعمل كلمة ” المرأة العاملة ” وليس ” المرأة الأجيرة “.
القطاع أم الصندوق؟
استعمل مُقترح القانون مُصطلح ” القطاع الخاص ” وهي عبارة غير دقيقة حيث أن أنظمة التقاعد ليست مُصنفة حسب القطاعين العمومي والخاص بل حسب الصندوقين وهما الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية بمقتضى القانون عدد 12 لسنة 1985 المتعلق بنظام الجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد والباقين على قيد الحياة في القطاع العمومي والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بمقتضى الأمر عدد 499 لسنة 1974 المتعلق بنظام جرايات الشيخوخة والعجز والباقين بعد وفاة المنتفع بالجراية في الميدان غير الفلاحي. وإذا ما تم اعتماد عبارة ” القطاع الخاص” يُطرح إشكال المؤسسات العمومية المنخرطة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وهي ليست قطاعا خاصا فهل ينطبق هذا القانون عليها أم لا ؟
فوارق في الشروط
ليس التفريق بين نظامي التقاعد في الصندوقين مجرد مسألة إدارية فقط تتعلق بالفوارق في شروط التقاعد للأم لثلاثة أطفال. ففي الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية يشترط على المرأة الحصول على أقدمية لمدة 15 سنة وثلاثة أطفال في الكفالة سنّهم دون 20 سنة أو طفل ذي إعاقة عميقة مع اشتراط موافقة رئيس الحكومة. وبسبب الشرط الأخير لم تحصل أي امرأة منذ سنة 1985 حتى اليوم على الموافقة. أما في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فيُشترط أقدمية ب 15 سنة مع ثلاثة أبناء أحياء دون اشتراط أن يكون سنهم دون 20 سنة ودون فرضية وجود حالة تعويضهم بطفل ذي إعاقة عميقة ودون شرط موافقة المشغل. وقد بلغ عدد المحالات على التقاعد 228 امرأة سنة 2000 وارتفع إلى 834 سنة 2010 وإلى 2130 سنة 2020.
صك على بياض؟
أكّد مقترح القانون في أكثر من فصل على ضرورة مراعاة التوازنات المالية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. والحقيقة أن عبارة ” احترام متطلبات التوازنات المالية للصندوق” ضمن قانون يُكرس حقا اجتماعيا عبارة فضفاضة وغير مُنضبطة قانونيا وقد تُستعمل لاحقا لتقييد تطبيق الحق أو تعطيله. وحيث يعلم الجميع العجز المالي الذي يعاني منه الصندوق حيث بلغ 950 مليون دينار سنة 2023 وارتفع إلى 1200 مليون دينار سنة 2024 مع توقع تواصل نسق ارتفاع العجز خلال السنوات الموالية فإن حظوظ تنفيذ هذا القانون من الناحية المالية ضعيفة بل قد يجعل منه مجرد صك على بياض. ومن المعروف أن أي نوع التقاعد المبكر يتمثل عمليا في التوقف عن دفع المساهمات من ناحية والحصول على جرايات لفترة أطول من ناحية أخرى.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
إن إحالة جزء من اليد العاملة النسائية على التقاعد المبكر من شأنه أن يقلص من عدد اليد العاملة في سوق الشغل وخاصة عند بلوغ سن الخمسين وهو سن النضج المهني بما يؤثر على إنتاجية المؤسسات في القطاع الخاص التي هي في حاجة إلى المحافظة على ثروتها البشرية. أما من الناحية الاجتماعية فإن ضعف أجور أغلب العاملات وتفاقم ظاهرة التهرب الاجتماعي سيؤدي إلى حصولهن على جرايات هزيلة. وعلى سبيل المثال فقد بلغت جملة النفقات التي صرفها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سنة 2020 بعنوان التقاعد المبكر للأم لثلاثة أطفال ما يناهز ثمانية آلاف مليون دينارا وإذا قسمنا هذا المبلغ على 2130 منتفعة يكون معدل الجراية الشهرية 310 دينار شهريا وهو مبلغ يعادل تقريبا ثلثي الأجر الأدنى المهني المضمون آنذاك. ومن شأن ضعف الجرايات أن يدفع بعض العاملات المحالات على التقاعد المبكر إلى ممارسة مهن في السوق الموازية. وأخيرا فإن التوقف المبكر عن العمل قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية للمرأة فضلا على المخاطر الصحية حيث أن مواصلة العمل تساهم في الحفاظ على النشاط الذهني والبدني في حين يُسرّع التقاعد المبكر وتيرة التدهور الصحي لدى البعض.
أسباب هزيلة
فضلا على الثغرات التي تضمنها نص القانون لم تكن وثيقة شرح الأسباب أكثر إقناعا في حين أنها وثيقة تفسيرية تساعد على فهم أحكام المشروع ومقاصده وتمثل من الناحية القانونية أداة مُكمّلة له ومرجعا في تأويل أحكامه. ويمكن في هذا الإطار العودة إلى منشور رئيسة الحكومة عدد 15 لسنة 2023 المؤرخ في 13 جوان 2023 حول ضوابط إعداد مشاريع القوانين الذي ورد فيه ضرورة تفسير السياق الذي يتنزّل في إطاره مشروع القانون والهدف أو الغاية من إعداده وحوصلة للاستشارات التي تم القيام بها وإن أمكن إرفاق المشروع بنسخة من القوانين المقارنة والفقه وفقه القضاء والدراسات والبحوث التي تمت الاستنارة بها أو اعتمادها. ومن الأمثلة على هزال وثيقة شرح أسباب التقاعد المبكر للمرأة العاملة ” تمكينها من تطوير مهاراتها ومعارفها ” وكأن الرجل ليس في حاجة إلى تطوير مهاراته ومعارفه أو ” تمكينها من تخصيص وقت للتطوع والعمل الخيري ” الذي يتطلب تمويلا في حين أن مبلغ جرايتها الزهيد قد لا يوفر لها الحد الأدنى المعاشي.
تدجين وليس تثمينا
كان من الأجدر لمعالجة ظروف العمل الصعبة في بعض القطاعات وعوض الذهاب إلى الحلول السهلة مثل التقاعد المبكر، العمل على تطوير التشريعات المتعلقة بالصحة والسلامة المهنية للمرأة العاملة حيث أن المؤشرات الصادرة عن الصندوق الوطني للتأمين على المرض لسنة 2021 تشير إلى أن 85 في المائة من المصابين بأمراض مهنية من الإناث.
إن تمكين المرأة من التقاعد المبكر في سن الخمسين حتى لو كان اختياريا يبدو في ظاهره تثمينا لها في حين أنه ليس سوى تدجين لها في الدور المنزلي فضلا على أن الاتفاقيات الدولية لا تسمح بإسناد امتياز اجتماعي لجنس دون آخر إلا إذا كان هناك سبب موضوعي مثل عطلة الولادة للمرأة مثلا. لذلك فإنه بقدر ما يجب الحرص على عدم تمييز الرجل على المرأة بقدر ما يجب الحذر من السقوط في النقيض بتمييز المرأة على الرجل تطبيقا لمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات الذي نص عليه الفصل 23 من الدستور.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية