تُعيد قراءة قطاع التأمين على الحياة في تونس رسم خريطة التقييم المالي للمؤسسات، إذ تكشف معطيات أكاديمية معمّقة أنّ عوامل القوة الحقيقية لا تتطابق بالضرورة مع المؤشرات التقليدية المتداولة.
وتأتي هذه النتائج في سياق سوق بلغ فيه الوزن المالي مستويات معتبرة، ما يجعل فهم ديناميكياته مسألة مركزية للمستثمرين والمحللين والجهات التنظيمية على حدّ سواء .
قطاع تأمين متنامٍ
تُبرز المعطيات المتاحة أنّ قطاع التأمين على الحياة في تونس يشكّل ركيزة مالية ذات أثر مباشر على الاقتصاد الوطني، رغم محدودية حضوره في الوعي العام . وتكشف البيانات كذلك أنّ شركات التأمين قامت بتعبئة موارد استثمارية هامة وُجّهت نحو الاقتصاد الوطني، ما يجعل هذا القطاع فاعلًا غير مباشر في تمويل الدولة والمؤسسات الاقتصادية عبر أدوات الدين والاستثمار طويل الأجل. ويعكس هذا الحجم المالي دورًا مزدوجًا للتأمين بين إدارة المخاطر الفردية والمساهمة في الدورة التمويلية للاقتصاد الكلي .
تُحلّل دراسة أكاديمية مرجعية بيانات ممتدة على عشر سنوات بين 2005 و2014، شملت ثماني مؤسسات تأمين رائدة في السوق التونسية، بهدف فهم محددات الربحية والاستقرار المالي. وتُظهر النتائج أنّ متوسط عمر المؤسسات محل الدراسة بلغ 33 سنة، مع تباين واسع بين 3 سنوات فقط كأصغر شركة و65 سنة كأقدم مؤسسة، ما يعكس تباينًا هيكليًا كبيرًا داخل القطاع .
وتستند الدراسة إلى مقاربة كمية تقارن بين المؤشرات التشغيلية والمالية بهدف تحديد العوامل الأكثر تأثيرًا على الأداء، في سياق شهد فيه القطاع تحولات مهمة، خصوصًا خلال سنة 2011 التي مثّلت نقطة ضغط على مختلف المؤسسات المالية في تونس نتيجة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي .
الأقدمية كعامل حاسم لإنتاج الربحية
تُثبت النتائج أنّ عامل الأقدمية يمثل أحد أقوى محددات الربحية في قطاع التأمين على الحياة، فالمؤسسات الأكثر عراقة تُظهر قدرة أعلى على تحقيق أرباح مستقرة، نتيجة تراكم الخبرة في إدارة المخاطر وتوسيع قاعدة العملاء وتعزيز الثقة السوقية .
وتُوضح الدراسة أنّ الشركات التي تمكنت من الصمود لعقود طويلة استطاعت تجاوز الصدمات الدورية عبر تطوير نماذج اكتتاب أكثر حذرًا وتحسين آليات التسعير التأميني، وهو ما منحها ميزة تنافسية يصعب محاكاتها على المدى القصير. ويعكس هذا المعطى طبيعة قطاع التأمين باعتباره نشاطًا يعتمد على تراكم الثقة أكثر من اعتماده على الابتكار السريع .
تُبرز المعطيات أيضًا أنّ الديناميكية التجارية، المتمثلة في القدرة على جذب الحرفاء وزيادة الأقساط المكتتبة، ترتبط بشكل مباشر بتحسن الأداء المالي، حيث تُعد الأقساط المصدر الأساسي للتمويل في نموذج عمل شركات التأمين، ما يجعل النمو مؤشرًا مزدوجًا يعكس التوسع في السوق وتعزيز القدرة على تغطية الالتزامات المستقبلية .
وتشير النتائج إلى أنّ المؤسسات التي نجحت في توسيع حجم أقساطها بشكل منتظم سجلت مستويات أعلى من الربحية، بما يؤكد أنّ النمو ليس مجرد توسع تجاري، بل أداة لإعادة هيكلة التوازنات المالية الداخلية للشركات .
الحجم الكبير: مفارقة الأداء غير المتوقعة
تُفاجئ الدراسة بنتيجة مركزية تقلب الفرضيات التقليدية، إذ تُظهر أنّ كبرى شركات التأمين ليست الأكثر ربحية، بل إن العلاقة بين الحجم والأداء المالي جاءت عكسية في أغلب الحالات. وتُسجل المؤسسات متوسطة الحجم أفضل مستويات الأداء مقارنة بالشركات الكبيرة .
وتُفسَّر هذه النتيجة بتزايد التكاليف التشغيلية داخل الهياكل الضخمة، وبطء عمليات اتخاذ القرار، إضافة إلى تراجع المرونة التنظيمية. في المقابل، تتمتع الشركات متوسطة الحجم بسرعة التكيف وقدرة أعلى على تعديل سياساتها الاكتتابية وفق تغيرات السوق، ما يمنحها تفوقًا نسبيًا في الربحية .
وتُعيد هذه النتيجة فتح النقاش حول سياسات الدمج والتجميع في القطاع المالي، إذ تشير المعطيات إلى أنّ التوسع الحجمي لا يضمن بالضرورة تحسين الأداء، بل قد ينتج عنه كلفة تنظيمية تؤثر سلبًا على العائد .
كما تُظهر الدراسة أنّ مجموعة من المؤشرات المالية التقليدية، مثل مستوى المديونية، والسيولة، وحجم الأصول، ومستوى التعرض للمخاطر، لا تمتلك قدرة تفسيرية ذات دلالة إحصائية للفوارق في الربحية بين شركات التأمين محل التحليل .
وتؤكد هذه النتيجة أنّ تقييم متانة شركات التأمين لا يمكن اختزاله في المؤشرات المحاسبية المباشرة، بل يتطلب مقاربة ديناميكية تأخذ في الاعتبار الزمن، والنمو، والبنية التنظيمية، وجودة الحوكمة التشغيلية .
تخلص الدراسة الى أنّ قوة شركات التأمين على الحياة لا تُبنى على الحجم أو كثافة الأصول، بل على عاملين أساسيين يتمثلان في الأقدمية والنمو المستدام. وتُبرز أنّ الثقة المالية في هذا القطاع هي نتيجة تراكم طويل الأمد وليست نتيجة ظرفية مرتبطة بالأداء اللحظي .
وتقترح النتائج، ضمنيًا، على الحرفاء والمستثمرين اعتماد مؤشرات بديلة عند تقييم شركات التأمين، تقوم أساسًا على تاريخ المؤسسة ومسارها في السوق، باعتبارها عناصر أكثر قدرة على التنبؤ بالاستقرار المستقبلي مقارنة بالبيانات المالية التقليدية .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية