انخفض معدل الاستقلال الطاقي من أكثر من 80% في نهاية العقد الأول من الألفية إلى نحو 35% في أكتوبر 2025، في سياق يتسم بارتفاع الطلب المحلي على الطاقة بمعدل سنوي يقارب 3% خلال العقد الأخير.
في المقابل، يواجه حوالي ثلث خريجي التعليم العالي البطالة، مع بلوغ النسبة قرابة 40% في بعض مناطق الداخل، وفق تقديرات حديثة. ويعكس هذا التوازي اختلالًا هيكليًا مزدوجًا يضغط على النمو الممكن، حيث يُقدَّر أن كل نقطة مئوية إضافية في البطالة بين حاملي الشهادات تُخفض النمو المحتمل بنحو 0.2 نقطة مئوية على المدى المتوسط.
الموارد الطبيعية رافعة نمو غير مستغلة بما يكفي
يُنتج حوالي 94% من الكهرباء من الغاز الطبيعي، بما في ذلك واردات من الجزائر، وهو ما يعرّض كلفة الإنتاج لتقلبات الأسعار العالمية وسعر الصرف. وقد بلغ عجز الميزان الطاقي نحو 9.1 مليار دينار في 2025، ما يمثل قرابة 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويساهم بما يقارب ثلث العجز التجاري الإجمالي. كما تُقدَّر كلفة دعم الطاقة المباشرة وغير المباشرة بين 2% و3% من الناتج، ما يحدّ من الحيز المالي للاستثمار العمومي.
في هذا الإطار، يصبح هدف بلوغ 50% من الطاقات المتجددة بحلول 2035 أداة لإعادة التوازنات، إذ تشير النماذج إلى إمكانية تقليص فاتورة الواردات الطاقية بنسبة تتراوح بين 25% و30% بحلول ذلك الأفق. وتتوفر تونس على أكثر من 3000 ساعة سطوع شمسي سنويًا، مع إشعاع يتجاوز 2000 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع سنويًا في عدة مناطق، ما يضعها ضمن أفضل المواقع عالميًا للطاقة الشمسية.
كما تُقدَّر القدرة الكامنة لطاقة الرياح بنحو 10 جيغاواط، مقابل قدرة مركّبة حالية لا تتجاوز بضعة مئات من الميغاواط. ويظل نصيب الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي محدودًا عند نحو 3% فقط، مقابل متوسط عالمي يفوق 30% في إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة. ويعكس هذا الفارق فجوة استثمارية يمكن أن تتحول إلى محرك نمو، خاصة وأن كل 1 جيغاواط إضافي من الطاقة الشمسية قد يضيف ما بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية للناتج المحلي عبر الأثر المضاعف للاستثمار.
إمكانات استثنائية لإعادة تشكيل سوق العمل
يمكن أن يخلق مسار الانتقال نحو 50% من الطاقات المتجددة حوالي 70 ألف فرصة عمل بحلول 2035، موزعة بين وظائف مباشرة في التركيب والصيانة، ووظائف غير مباشرة في سلاسل التوريد والخدمات. وتُظهر التجارب المقارنة أن كل 1 ميغاواط شمسي يخلق بين 5 و7 وظائف خلال دورة حياته، مقابل 2 إلى 3 وظائف في طاقة الرياح. كما يُقدَّر أن 60% من هذه الوظائف يمكن أن تتمركز في المناطق الداخلية، بما يساهم في تقليص الفوارق الجهوية ورفع معدلات النشاط الاقتصادي المحلي بنسبة قد تصل إلى 10% في بعض الولايات.
هذا ولا تتجاوز مساهمة الطاقات المتجددة 3% من المزيج، ويُعزى ذلك إلى بطء الإجراءات، حيث يستغرق ربط المشاريع بالشبكة نحو 18 شهرًا في المتوسط، مقارنة بـ 3 إلى 6 أشهر في دول منافسة. كما تعاني السوق من اختلالات هيكلية في الموارد البشرية، إذ تمثل النساء 58% من خريجي التعليم العالي مقابل 28% فقط من العاملين في القطاع و6% من المناصب القيادية. ويُضاف إلى ذلك تسارع هجرة الكفاءات، حيث تشير التقديرات إلى مغادرة آلاف المهندسين سنويًا، ما يرفع كلفة الفرصة الضائعة ويبطئ نقل المعرفة.
يتطلب تسريع التحول الطاقي تقليص آجال الربط إلى أقل من شهرين عبر رقمنة الإجراءات واعتماد مبدأ “السكوت الإداري الإيجابي”، وهو ما يمكن أن يرفع الاستثمارات الخاصة بنسبة قد تصل إلى 40%. كما يستوجب توجيه الحوافز نحو المشاريع الصغيرة والمتوسطة (أقل من 2 ميغاواط)، التي تُظهر قدرة أعلى على خلق الوظائف محليًا، مع إمكانية مضاعفة عدد المؤسسات الناشطة في القطاع ثلاث مرات خلال خمس سنوات. ويُعد إصلاح التكوين ركيزة أساسية، حيث يمكن لإدراج مسارات متخصصة في النجاعة الطاقية والتكوين بالتناوب أن يرفع قابلية التشغيل للخريجين بنسبة تتجاوز 20%. وفي موازاة ذلك، يظل تعزيز إدماج النساء والعاطلين طويلًا شرطًا لرفع معدل المشاركة في سوق العمل الذي لا يزال دون 50%.
تعبئة أدوات مبتكرة لتعزيز الاستدامة المالية
يمكن لتونس أن تعبّئ ما بين 15 و20 مليار دينار من الاستثمارات في الطاقات المتجددة حتى 2035 عبر مزيج من الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والسندات الخضراء، والتمويلات الدولية الميسرة. كما يمكن أن يؤدي تحسين الحوكمة وتقليص المخاطر التنظيمية إلى خفض كلفة التمويل بنحو 150 إلى 200 نقطة أساس، ما يعزز الجدوى الاقتصادية للمشاريع. وتشير التقديرات إلى أن كل دينار مستثمر في الطاقات المتجددة يمكن أن يولد ما بين 1.5 و2 دينار من القيمة المضافة على المدى المتوسط.
ويساهم التوسع في الطاقات المتجددة في تقليص عجز الميزان التجاري وتحسين استقرار الأسعار، وفي الوقت ذاته خلق وظائف ذات قيمة مضافة وتعزيز الإدماج الاقتصادي. ومع تسريع الإصلاحات وتعبئة التمويل، يمكن لتونس أن ترفع حصة المتجدّدات تدريجيًا إلى 30% بحلول 2030 ثم 50% في 2035، بما يدعم نموًا إضافيًا يتراوح بين 1 و1.5 نقطة مئوية سنويًا. وعندئذ، يتحول كل شعاع شمس وكل هبة رياح إلى رافعة إنتاجية، تعيد صياغة نموذج التنمية على أسس أكثر توازنًا واستدامة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية