لا تُقرأ الحرب المرتبطة بإيران فقط في المضائق الاستراتيجية أو في أسواق الطاقة، بل باتت تنعكس اليوم في قطاع أساسي من الحياة اليومية العالمية: النقل الجوي. فمع انهيار شركة «سبيريت إيرلاينز»، يهتز نموذج السفر منخفض التكلفة بأكمله، تحت ضغط صدمة طاقية حادة وممتدة.
تأسست «سبيريت إيرلاينز» سنة 1983، وفرضت نفسها كأحد أعمدة الطيران منخفض التكلفة في الولايات المتحدة. وقد أعلنت الشركة وقف أنشطتها وتعويض حرفائها، بعد فشل كل محاولات إعادة الهيكلة.
لكن وراء هذا الإفلاس، لا يتعلق الأمر بمجرد شركة تختفي من السوق.
إنه رمز لنموذج يقوم على ضغط التكاليف إلى أقصى حد، بات اليوم أمام واقع اقتصادي جديد يختبر قدرته على الصمود.
تكمن خصوصية هذه الأزمة في حجم الصدمة التي أصابت وقود الطائرات. فقد أدى الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز والاضطرابات في المنتجات المكررة إلى ارتفاع سريع ومتواصل في الأسعار.
وأشارت «سبيريت» إلى حاجتها إلى سيولة إضافية بمئات ملايين الدولارات، فيما تتحدث التقديرات عن كلفة إضافية محتملة تصل إلى 360 مليون دولار خلال السنة، إذا ظلت الأسعار مرتفعة.
وفي قطاع الطيران، يمثل الوقود ما بين 20% و40% من التكاليف. ولذلك، فإن ارتفاعًا حادًا بهذا الحجم يكفي لدفع شركة هشة إلى السقوط.
لم يفعل الوقود سوى تسريع انهيار بدأ منذ سنوات. فقد كانت «سبيريت» تعاني من:
ديون متراكمة منذ 2020،
تراجع الطلب،
احتدام المنافسة.
فقد دخلت شركات كبرى مثل «دلتا إيرلاينز» و«أمريكان إيرلاينز» و«يونايتد إيرلاينز» تدريجيًا إلى قطاع الرحلات الاقتصادية، ما أضعف الميزة التنافسية لشركات الطيران منخفض التكلفة.
ويُضاف إلى ذلك فشل عملية الاستحواذ من قبل «جيت بلو إيروايز»، التي كان يمكن أن توفر للشركة مخرجًا من أزمتها.
ولا يقتصر اختفاء «سبيريت» على موظفيها أو حرفائها فقط. فهو يزيل من السوق فاعلًا كان يؤدي دورًا رئيسيًا، يتمثل في الضغط نحو خفض الأسعار.
ومن دون هذا النوع من الشركات، يتجه السوق تلقائيًا نحو منافسة أقل، وتذاكر أغلى، ومرونة أضعف.
السفر منخفض التكلفة لن يختفي، لكنه سيصبح أندر، وبالتالي أكثر كلفة.
ارتفاع أسعار الوقود وتغيير مسارات الرحلات بسبب التوترات الجيوسياسية يعنيان أمرًا بسيطًا: أسعار التذاكر نحو تونس قد تعرف ارتفاعًا.
فالشركات الوطنية، التي تواجه أصلًا قيودًا هيكلية، ستكون مضطرة إلى امتصاص جزء من هذه الزيادة، أو تمريرها إلى الأسعار.
كل ساعة طيران إضافية، نتيجة الالتفاف حول مناطق خطرة، قد تعني استهلاك نحو 3000 لتر إضافي من الوقود بالنسبة إلى طائرة من طراز إيرباص A320 أو بوينغ 737.
وبالنسبة إلى الجالية التونسية، قد يعني ذلك:
تذاكر أغلى هذا الصيف، إذا لم يتم الشراء المسبق بطريقة ذكية،
احتمال تراجع عدد الرحلات المتاحة،
مرونة أقل في اختيار مواعيد السفر.
في أوروبا، بات وقود الطائرات يُتداول حاليًا بين 1500 و2000 دولار للطن، أي بأكثر من ضعف مستوياته قبل الأزمة.
وأمام هذا الضغط، تتكيف شركات الطيران عبر:
تقليص وتيرة الرحلات،
التخلي عن الخطوط الأقل ربحية،
رفع الأسعار،
تكثيف الرسوم الإضافية.
وتستطيع الشركات الكبرى امتصاص جزء من الصدمة، أما شركات الطيران منخفض التكلفة فهامش المناورة لديها أضيق بكثير.
إن انهيار «سبيريت إيرلاينز» ليس حادثًا معزولًا. فقد يكون علامة على بداية تحوّل أوسع.
لقد قام نموذج السفر منخفض التكلفة جدًا على فرضية ضمنية: عالم مستقر، ووقود متوفر بكثرة، ومسارات جوية سلسة.
لكن هذا العالم لم يعد قائمًا.
لن يختفي الطيران منخفض التكلفة، لكنه سيضطر إلى التطور نحو نماذج هجينة، أكثر قدرة على الصمود، وأقل تطرفًا.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية