في المخيال الجماعي، ترتبط أزمات الطاقة عادة بالنفط الخام أو الغاز الطبيعي أو الكهرباء. غير أن أحد المنتجات المشتقة يظل أقل حضورًا في النقاشات، رغم أهميته البالغة: الكيروسين، وهو الوقود الأساسي للطيران المدني والعسكري.
ويُعد الكيروسين بنية تحتية طاقية حيوية تقع عند تقاطع ثلاثة أنظمة أساسية: التنقل العالمي، واللوجستيك الاستراتيجي، والقوة العسكرية. وفي زمن الحرب، يتحول هذا الوقود إلى أحد الأصول الجيوسياسية الكبرى.
يمثل الكيروسين الوقود الرئيسي للقوات الجوية الحديثة. ولا توجد حاليًا أي بدائل تشغيلية فورية للطائرات المقاتلة أو القاذفات أو الطائرات المسيّرة الثقيلة.
ويؤدي أي نزاع طويل الأمد إلى ارتفاع كبير في عدد الطلعات الجوية، واستهلاك متسارع للوقود، وضغط شديد على سلاسل الإمداد. ومن دون الكيروسين، تصبح السيطرة الجوية شبه مستحيلة.
يعتمد الكيروسين على بنى تحتية محددة، تشمل مصافي مهيأة، وأنابيب نقل مخصصة، ومراكز مطارية استراتيجية.
وتُعد هذه البنى شديدة القابلية للاستهداف في زمن الحرب. فالمصافي ومستودعات الوقود والمسالك البحرية تتحول إلى أهداف عسكرية، ما قد يؤدي إلى اضطرابات سريعة في الإمدادات.
يقع الكيروسين في قلب الشحن الجوي والسياحة الدولية وسلاسل الإمداد الحيوية.
وأي أزمة في هذا الوقود تؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل الجوي، وانكماش التجارة العالمية، وخلق ضغوط تضخمية غير مباشرة. فهو يعمل كمُضخّم صامت للأزمات الاقتصادية.
على عكس النفط الخام، يحتاج الكيروسين إلى تكرير خاص، ولا يمكن تعويضه بسهولة.
وفي حال حدوث صدمة جيوسياسية، لا تستطيع قدرات الإنتاج التكيف بسرعة، وهو ما يزيد من حدة التوترات في السوق.
رغم الطموحات المتعلقة بالانتقال نحو وقود أكثر استدامة، فإن فترات الحرب تعزز الاعتماد على الكيروسين الأحفوري.
فالأولوية تُمنح للتوفر الفوري، ما يبطئ تطوير البدائل، مثل وقود الطيران المستدام.
وبذلك، يتحول الكيروسين، رغم حضوره الخافت، إلى عنصر مركزي في معادلة القوة والهشاشة خلال زمن الحرب.
وفي عالم تُحسم فيه التفوقية الاستراتيجية في الجو كما في الأسواق، قد يصبح التحكم في الكيروسين أحد الرهانات الحاسمة في القرن الحادي والعشرين.
عماد درويش – خبير في الطاقة والهيدروجين والانتقال الرقمي.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية