آخر الأخبار

“مؤشر البيتزا” في البنتاغون : هل يمكن استشعار الحرب من خلال توصيلات الطعام الليلية؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

قد يبدو الأمر أقرب إلى مزحة رائجة على الإنترنت. غير أنّ “مؤشر البيتزا” في البنتاغون فرض نفسه، خلال عدد من الأزمات الدولية، كأحد تلك المؤشرات الغريبة التي تتابعها شبكات التواصل الاجتماعي بجدية لافتة.

الفكرة بسيطة : عندما يرتفع النشاط بشكل مفاجئ في مطاعم البيتزا القريبة من البنتاغون أو البيت الأبيض أو غيرهما من مراكز القرار في واشنطن، يرى بعض المتابعين في ذلك إشارة إلى أنّ فرقاً عسكرية ودبلوماسية تعمل حتى ساعات متأخرة من الليل.

وراء هذا الحدس تكمن صيغة معاصرة من مراقبة السلطة. ففي عصر البيانات المفتوحة، يمكن لكل تفصيل أن يتحول إلى مؤشر محتمل. وتتيح منصات مثل Google Maps وتطبيقات توصيل الطعام رصد تغيرات الإقبال، في الوقت الحقيقي، حول بعض المواقع الاستراتيجية. وبالنسبة إلى المهتمين بـOSINT، أي الاستخبارات القائمة على المصادر المفتوحة، قد تعكس هذه الإشارات الصغيرة نشاطاً غير اعتيادي.

هذا المؤشر ليس جديداً. فهو يستند إلى حدس قديم في واشنطن مفاده أنّ الإدارات تعمل حتى وقت متأخر خلال الأزمات الدولية، وأنّ طلبات توصيل الطعام تواكب هذا النشاط.

ففي جوان 2025، أفادت صحيفة The Guardian، على وجه الخصوص، بأنّ نشاط مطاعم بيتزا قريبة من البنتاغون خضع للمراقبة قبل مرحلة من التوترات بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران. ومنذ ذلك الحين، بات كل ارتفاع مشبوه في النشاط مادة للتأويل.

لكن من الضروري الحفاظ على قدر من الهدوء. فـ”مؤشر البيتزا” ليس دليلاً. فهو لا يعني أنّ قراراً بشن هجوم قد اتُّخذ، ولا أنّ حرباً باتت وشيكة. إنه يشير فقط إلى أنّ مكاناً ما قد يشهد نشاطاً غير مألوف. وقد يكون هذا النشاط مرتبطاً بأزمة عسكرية، لكنه قد يرتبط أيضاً باجتماع متأخر، أو حدث إداري، أو مجرد صدفة، أو قراءة مبالغ فيها بعد وقوع الأحداث.

و هنا يكمن الاعتراض الرئيسي لدى المختصين: انحياز التأكيد. إذ يجري تذكّر الليالي التي ترتفع فيها طلبات البيتزا قبل أزمة ما، بينما تُنسى الليالي الكثيرة التي تكون فيها المطاعم مكتظة ولا يحدث بعدها شيء. فالإشارة الضعيفة لا تصبح ذات دلالة إلا إذا تم ربطها بعناصر أخرى، مثل تحركات الطائرات العسكرية، أو إجلاء الرعايا، أو التصريحات الرسمية، أو التحذيرات البحرية، أو القرارات الدبلوماسية.

و في الملف الإيراني، فإن هذا التراكم تحديداً هو ما يغذي التكهنات. فالتوترات حول مضيق هرمز، والتهديدات الإيرانية للمواقع الأمريكية في الخليج، والجسور الجوية العسكرية نحو الشرق الأوسط، وتصريحات دونالد ترامب، كلها عوامل تُبقي مناخاً من عدم اليقين. وفي مثل هذا السياق، حتى ارتفاع النشاط في مطاعم البيتزا بواشنطن يصبح علامة يفسرها البعض على أنها مؤشر إضافي.

و قد عاد “مؤشر البيتزا” هذا الأحد ليكون محل تعليقات واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي. إذ أشارت حسابات متخصصة في OSINT إلى تسجيل ذروة في النشاط الليلي داخل مطاعم بيتزا قريبة من البنتاغون، حوالي الساعة 23:30 بتوقيت واشنطن، إضافة إلى ارتفاع الاهتمام بمطعم يقع قرب القيادة الجنوبية الأمريكية SOUTHCOM في فلوريدا.

و يرى بعض المراقبين أنّ هذه الإشارات قد تضاف إلى مؤشرات أخرى تعكس حالة من التوتر العسكري حول إيران. غير أنّ دلالتها يجب أن تبقى محدودة: فهي لا تثبت وجود عملية وشيكة، بقدر ما تعكس أجواء الترقب والشك التي باتت تحيط بكل تحرك أمريكي.

و هنا تكمن المفارقة: في زمن الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية، يمكن لمؤشر بسيط مثل البيتزا أن يتحول إلى موضوع للتحليل الجيوسياسي. ليس لأنه يتنبأ بالحرب، بل لأنه يكشف الطريقة المعاصرة التي نترقب بها اندلاعها.

و بالنسبة إلى القارئ، تبقى القراءة السليمة لهذا المؤشر قائمة على الحذر. فقد يشير “مؤشر البيتزا” إلى نشاط غير عادي، وقد يلفت الانتباه إلى لحظة توتر، لكنه لا يعوّض المصادر العسكرية، ولا التحليلات الدبلوماسية، ولا العمل الصحفي.

و في حالة الولايات المتحدة وإيران، ينبغي النظر إليه كما هو: مقياس بدائي للحرارة. قد يكون مثيراً للاهتمام أحياناً، ومسلّياً في كثير من الأحيان، لكنه غير قادر بمفرده على إعلان الحمى.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا