التهديد وُجّه إلى واشنطن، لكنه يعني المنطقة بأسرها. فقد حذّرت طهران من أنه في حال استئناف الهجمات الأمريكية، فإن ردّها سيستهدف مواقع الولايات المتحدة في الخليج بضربات «طويلة ومؤلمة».
و بعبارة أخرى، فإن المرحلة العسكرية المقبلة لن تكون محصورة بين إيران والولايات المتحدة فقط، بل ستضع آليا تحت الضغط الدول العربية التي تستضيف قواعد أو جنودا أو معدات أمريكية.
و يأتي هذا التصريح في وقت لا يزال فيه وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران هشّا. فقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الكونغرس، في 1 ماي 2026، أن الأعمال العدائية ضد إيران «انتهت»، مستندا إلى غياب تبادل إطلاق النار منذ الهدنة التي أُعلن عنها مطلع أفريل.
غير أن هذه القراءة محل جدل داخل الولايات المتحدة، خاصة أن القوات الأمريكية لا تزال منتشرة في المنطقة، وأن واشنطن تواصل دراسة خيارات عسكرية.
يقع جوهر الخطر في الخليج. فالولايات المتحدة تمتلك منذ سنوات شبكة من القواعد والموانئ والمنشآت الجوية وأنظمة الدفاع لدى عدد من حلفائها العرب. وبالنسبة إلى هذه الدول، يشكل الوجود الأمريكي ضمانة أمنية. أما بالنسبة إلى إيران، فإنه يتحول في زمن الحرب إلى تهديد مباشر إذا استُخدمت هذه المنشآت لدعم عمليات ضد أراضيها.
هنا تكتسب الصيغة الإيرانية كامل ثقلها. فعندما تتحدث طهران عن «مواقع أمريكية في منطقة الخليج»، فهي لا تهدد بالضرورة الدول العربية في حد ذاتها. لكن عمليا، فإن أي ضربة تستهدف قاعدة أمريكية موجودة في قطر أو الكويت أو البحرين أو الإمارات العربية المتحدة أو غيرها ستضع فورا البلد المضيف في وضع متفجر: هدف غير مباشر، أرض تتعرض للاستهداف، سيادة تصبح معنية، ورأي عام تحت الضغط.
و تأتي هذه التوترات في وقت تعزز فيه واشنطن أيضا حلفاءها الإقليميين. ففي 1 ماي، وافقت الإدارة الأمريكية بشكل عاجل على مبيعات عسكرية بقيمة تفوق 8.6 مليارات دولار لفائدة شركاء في الشرق الأوسط، من بينهم إسرائيل وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة. وتشمل العقود، خصوصا، خدمات مرتبطة بمنظومات باتريوت لفائدة قطر، وأنظمة قيادة للكويت، وذخائر دقيقة لإسرائيل والإمارات.
و هذا التحرك ليس تفصيلا عابرا. فهو يعني أن الولايات المتحدة تعزز هندستها الدفاعية الإقليمية في الوقت نفسه الذي تحذر فيه إيران من إمكانية استهداف المواقع الأمريكية في الخليج. وبذلك تجد الدول العربية المعنية نفسها في موقف دقيق: فهي تسعى إلى حماية نفسها عبر المظلة الأمريكية، لكن هذه المظلة قد تجعلها أكثر عرضة للخطر إذا استؤنفت المواجهة.
و يضيف مضيق هرمز بعدا اقتصاديا عالميا إلى هذه المعادلة. فقد أدى إغلاق هذا الممر الاستراتيجي أو اضطرابه سابقا إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، إذ تجاوز خام برنت لفترة وجيزة 126 دولارا للبرميل في أواخر أفريل قبل أن يتراجع. وتذكّر وكالة رويترز بأن شبه إغلاق المضيق يمس نحو 20% من حركة النفط والغاز العالمية، ما يحول كل تهديد عسكري إلى خطر مباشر على الأسواق، وتأمين الملاحة البحرية، والشحن، واقتصادات الدول المستوردة.
لذلك، فإن معضلة دول الخليج عميقة. فهي لا تريد أن تظهر كطرف مشارك في حرب ضد إيران، لكنها تستضيف بنى تحتية أمريكية أساسية. وهي تريد تجنب التصعيد، في الوقت الذي تتلقى فيه معدات عسكرية إضافية. كما تسعى إلى حماية اقتصاداتها، في حين تتحول النفط والموانئ والطرق البحرية والقواعد العسكرية إلى قطع على رقعة شطرنج واحدة.
و من ثم، يجب قراءة التهديد الإيراني كتحذير على مستويين. الأول موجه إلى واشنطن: أي استئناف للضربات ستكون له كلفة. أما الثاني فيتوجه ضمنيا إلى الجيران العرب: إذا استُخدمت أراضيهم كمنصات عسكرية، فلن يستطيعوا البقاء تماما خارج دائرة الخطر.
بالنسبة إلى تونس، فإن هذا التطور ليس بعيدا. فاستئناف الضربات في الخليج قد يترجم إلى ارتفاع جديد في أسعار النفط، وزيادة في تكلفة النقل البحري، وتوترات على مستوى الواردات، وفي نهاية المطاف ضغط إضافي على الأسعار.
و في اقتصاد يعتمد على الطاقة المستوردة ويتأثر بالصدمات الخارجية، لا يمثل هرمز مجرد مضيق بعيد، بل قد يكون خط انتقال مباشرا نحو كلفة المعيشة.
قد تكون الحرب معلقة رسميا. لكن التهديد الإيراني يذكّر بحقيقة أكثر قسوة: في الخليج، لا توجد قاعدة أمريكية معزولة عن محيطها.
و إذا استؤنف النزاع، فلن تكون الولايات المتحدة وحدها في مرمى الاستهداف. فالدول المضيفة نفسها قد تجد، رغم إرادتها، في قلب الخطر الإقليمي.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية