تدخل أوكرانيا مرحلة جديدة في حربها ضد روسيا. فبين توسيع نطاق ضرباتها بعيدة المدى، والاستعداد لتصدير أسلحتها الخاصة، وتسليط الضوء على اعتماد موسكو المتزايد على مقاتلين أجانب، تسعى كييف اليوم إلى إظهار أنها لم تعد تتحرك فقط ضمن منطق المقاومة، بل باتت تعتمد استراتيجية أوسع تقوم على الاستنزاف، والقدرة على الضرب خارج خطوط الجبهة، وإعادة التموضع على الساحة الأمنية الدولية.
في ليلة 29 أفريل، استهدفت أوكرانيا محطة ضخ نفط روسية قرب مدينة بيرم، على بعد أكثر من 1500 كيلومتر من الحدود الأوكرانية. وبعيدًا عن الرمزية التي تحملها هذه العملية، تبدو الرسالة واضحة: تريد كييف إثبات امتلاكها قدرات ضرب قادرة على الوصول إلى عمق البنية التحتية الاستراتيجية الروسية.
وبالنسبة إلى السلطات الأوكرانية، لا يندرج استهداف اللوجستيك النفطي الروسي في إطار استعراض عسكري فقط، بل يهدف أيضًا إلى تقليص الموارد التي تغذي المجمع الصناعي العسكري الروسي، وإرباك سلاسل تزويد الجيش بالوقود، ودفع موسكو إلى تحويل أموال إضافية نحو حماية بنيتها التحتية الطاقية وإصلاحها.
ووفق المصدر الأوكراني، تُقدّر الخسائر الروسية المرتبطة بهذه الضربات بعيدة المدى خلال شهر مارس 2026 بما لا يقل عن 2.3 مليار دولار. وتُبرز كييف هذا الرقم للتأكيد على تنامي فعالية استراتيجية لم تعد تستهدف ساحة المعركة فحسب، بل أيضًا الأسس الاقتصادية للمجهود الحربي الروسي.
تقدّم كييف الضربة قرب بيرم باعتبارها مؤشرًا على مرحلة جديدة في استخدام أسلحتها بعيدة المدى. فالقدرة على إصابة أهداف تقع على مسافة تتجاوز 1500 كيلومتر تعكس صعودًا تكنولوجيًا مهمًا.
ومن العناصر الأخرى التي تبرزها أوكرانيا أن ما يصل إلى 95% من الضربات بعيدة المدى التي تُنفّذ ضد روسيا باتت تتم بأسلحة مصنّعة في أوكرانيا. ويُعدّ هذا المعطى محوريًا في السردية الأوكرانية، إذ يسمح لكييف بالتأكيد على أنها أصبحت أقل اعتمادًا من السابق على الخارج في بعض القدرات الهجومية، وأنها تحوّل تدريجيًا صناعتها الحربية إلى رافعة استراتيجية مستقلة.
والهدف المعلن مزدوج: إضعاف الاقتصاد العسكري الروسي، وتوجيه رسالة إلى موسكو مفادها أن مواصلة العدوان ستكون كلفتها متزايدة، إلى حد قد يجعل الانتقال لاحقًا نحو تسوية دبلوماسية أمرًا لا مفر منه.
في الوقت نفسه، أعلن فولوديمير زيلينسكي أن جميع التفاصيل المؤسساتية المتعلقة بتصدير الأسلحة الأوكرانية قد تمت تسويتها. ويمثّل هذا المعطى بدوره نقطة تحول، إذ لم تعد أوكرانيا ترغب فقط في الإنتاج لتلبية حاجياتها أو تلقي الدعم الخارجي، بل تريد أيضًا أن تصبح فاعلًا موثوقًا في السوق الأمنية الدولية.
وتقترح كييف على شركائها ما تسميه “Drone Deals”، وهو شكل من التعاون يشمل إنتاج وتوفير الطائرات المسيّرة والصواريخ والبرمجيات، إلى جانب إدماج التكنولوجيا الأوكرانية في أنظمة الدفاع لدى شركائها.
لكن السلطات الأوكرانية تؤكد أن الأولوية المطلقة تبقى لتجهيز قواتها المسلحة. أما التصدير، فسيقتصر على فائض الإنتاج فقط. وفي بعض أنواع الأسلحة، يصل هذا الفائض، وفق كييف، إلى 50% من قدرات الإنتاج.
يمثّل هذا التحول في التموضع أهمية سياسية كبيرة. فهو يعني أن أوكرانيا تريد أن يُنظر إليها ليس فقط كبلد يحتاج إلى المساعدة، بل كشريك أمني قوي وموثوق. ويعزّز هذا التطور ما تسميه كييف “فاعليتها” على الساحة الدولية، أي قدرتها على التصرف كفاعل كامل الأهلية.
وفي هذه المرحلة، أُبرمت بالفعل اتفاقيات كبرى تمتد لعشر سنوات مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر، فيما يجري العمل على مشاريع مشتركة مع عدد من الشركاء الأوروبيين.
وتؤكد أوكرانيا أيضًا رغبتها في تطوير هذا النوع من التعاون ليس فقط مع أوروبا وأمريكا الشمالية ودول الخليج، بل أيضًا مع إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى. وتُقدَّم طائراتها المسيّرة وأنظمة الإجراءات المضادة التي طورتها اليوم كموارد استراتيجية قادرة على توفير عائدات للاقتصاد الأوكراني، مع تمويل تطوير جيشها في الوقت نفسه.
غير أن التحدي الرئيسي يبقى منع وصول هذه التكنولوجيا أو نماذج من الأسلحة الأوكرانية إلى روسيا أو إلى دول تتعاون معها.
تبرز كييف عنصرًا آخر يتمثل في تزايد اعتماد موسكو على مقاتلين أجانب. ففي 29 أفريل 2026، نشرت الإدارة الرئيسية للاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية تقريرًا حول تجنيد مواطنين أجانب في صفوف الجيش الروسي.
وبحسب هذه الوثيقة، تم إلى حد الآن تحديد 28391 أجنبيًا وقّعوا عقودًا مع القوات المسلحة الروسية. ويضاف إلى ذلك نحو 14100 جندي نظامي كوري شمالي. ووفق المصدر نفسه، يوجد اليوم مواطنون من 136 دولة في صفوف الجيش الروسي.
كما تؤكد أوكرانيا أن هذه الديناميكية في تصاعد، وأن وزارة الدفاع الروسية تخطط لتجنيد 19000 أجنبي إضافي خلال سنة 2026.
تشدّد كييف على قسوة ظروف هذه التجنيدات. وتقول السلطات الأوكرانية إن الأجانب في الجيش الروسي لا يتمتعون بحماية اجتماعية أو قانونية كافية. كما تؤكد أن معظم هؤلاء المرتزقة لا يصمدون أكثر من شهر واحد على الجبهة، باعتبار أن القيادة الروسية لا تتحمل، وفق رأيها، أي التزام حقيقي تجاههم.
وتفيد كييف بأن مئات المواطنين من 48 دولة يوجدون حاليًا في الأسر الأوكراني. وتؤكد، من جانبها، احترام معايير القانون الدولي الإنساني في التعامل مع هؤلاء الأسرى.
كما تحذر الأجهزة الأوكرانية من السفر إلى روسيا للعمل أو الدراسة، موضحة أن ذلك بات ينطوي على خطر حقيقي يتمثل في إمكانية التجنيد داخل القوات المسلحة الروسية وإرسال المعنيين إلى الجبهة.
من خلال هذه المحاور الثلاثة، أي الضربات البعيدة، وتصدير الأسلحة، والتنديد بتجنيد موسكو للأجانب، تسعى أوكرانيا إلى فرض فكرة أساسية: الحرب تغيّرت طبيعتها.
تريد كييف أن تُظهر أنها باتت قادرة على الضرب بعيدًا، والإنتاج بكميات كبيرة، وتصدير خبرتها العسكرية، وكشف التحول التدريجي للجيش الروسي إلى قوة تعتمد أكثر فأكثر على موارد خارجية، سواء تعلق الأمر بمقاتلين أجانب أو بدعم قادم من دول شريكة.
والرسالة السياسية واضحة: لم تعد أوكرانيا تريد الظهور فقط كضحية تقاوم. إنها تسعى إلى تقديم نفسها كفاعل استراتيجي في طور الصعود، قادر في الوقت نفسه على إضعاف آلة الحرب الروسية وتقديم قيمة أمنية لدول أخرى.
وفي العمق، قد يكون هذا هو التحول الحقيقي: الحرب مستمرة، لكن أوكرانيا بدأت بالفعل في تحديد ما تريد أن تكونه بعدها، ليس مجرد بلد يعاد ترميمه، بل قوة أمنية قائمة بذاتها.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية