تعيد البيانات الاحصائية الممتدة على نحو أربعين سنة رسم موقع القطاع الفلاحي في الاقتصاد التونسي بوصفه أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بالتوازنات الخارجية، حيث يظل مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية عبر صادرات تتأرجح بين المنتجات التقليدية مثل زيت الزيتون والتمور، والمنتجات ذات القيمة المضافة المتنامية.
وتُظهر المعطيات الحديثة أن الصادرات الغذائية والفلاحية سجلت في بعض السنوات مستويات تفوق 4.8 مليار دينار لزيت الزيتون وحده، بينما يتجاوز إجمالي صادرات القطاع الغذائي الفلاحي عدة مليارات دينارات سنوياً حسب هيكلة المواسم والإنتاج.
ثقل متزايد للقطاع في الناتج والتجارة الخارجية
ترسخ الفلاحة موقعها كقطاع استراتيجي في الاقتصاد الكلي، إذ تساهم بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وتستوعب قرابة 14% من اليد العاملة، ما يجعلها أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وعلى مستوى التجارة الخارجية، تمثل الصادرات الفلاحية جزءاً مهماً من إجمالي الصادرات التونسية المقدرة بأكثر من 23 مليار دولار سنة 2024، بما يعكس حساسية هذا القطاع في ضبط ميزان المدفوعات.
وتؤكد السلاسل الاحصائية أن العلاقة بين الإنتاج الفلاحي والصادرات علاقة طردية قوية، حيث يؤدي ارتفاع القيمة المضافة الفلاحية إلى توسع الفوائض القابلة للتصدير. ويتجلى ذلك بوضوح في قطاع زيت الزيتون الذي قفزت صادراته من حوالي 872 مليون دينار سنة 2016 إلى أكثر من 4.8 مليار دينار سنة 2024، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، وهو ما يعكس تحسناً تدريجياً في القدرة الإنتاجية رغم التذبذب المناخي.
تُبرز هذه الديناميكية أن الإنتاج لم يعد مجرد عامل كمي، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالقدرة على الاندماج في الأسواق العالمية، حيث تحتل تونس موقعاً متقدماً عالمياً في صادرات زيت الزيتون، مع مساهمة تقارب 6.5% من الإنتاج العالمي، وأكثر من 120 مليون شجرة زيتون تغطي حوالي 2 مليون هكتار.
التمويل البنكي والاستيراد كأدوات لتعزيز التنافسية
تعزز القروض البنكية الموجهة للفلاحة من ديناميكية التصدير، إذ تتيح تحسين الاستثمار في الريّ والتقنيات الحديثة ورفع الإنتاجية الهكتارية، خاصة في الزراعات التصديرية. كما تسهم واردات المعدات والآلات الفلاحية في رفع جودة الإنتاج، رغم ما يبدو من مفارقة اقتصادية، إذ إن الاستيراد في هذه الحالة يمثل قناة لنقل التكنولوجيا وليس عبئاً تجارياً صرفاً.
وتشير تقديرات تحليلية إلى أن تحديث وسائل الإنتاج يمكن أن يرفع المردودية الفلاحية بنسبة تتراوح بين 15% و30% في بعض الزراعات، ما ينعكس مباشرة على القدرة التصديرية وعلى استقرار المداخيل بالعملة الأجنبية.
هذا وتكشف المعطيات أن الاستثمارات المحلية في الفلاحة لا تحقق دائماً الأثر المتوقع على الصادرات، إذ تميل في كثير من الحالات إلى دعم الإنتاج الموجه للسوق الداخلية بدل الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. ويُفسر ذلك ضعف الحوكمة الاستثمارية وغياب التوجيه القطاعي نحو التصدير، ما يحد من مردودية رأس المال المستثمر.
كما تُظهر البيانات أن التوسع في المساحات المزروعة لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين الأداء التصديري، حيث يرتبط أحياناً بانخفاض الإنتاجية نتيجة الاستغلال غير المكثف للأرض وتراجع الكفاءة التقنية، وهو ما يخلق مفارقة بين الكم والكيف في استغلال المورد العقاري الزراعي.
مفارقة القيمة المضافة
تسجل بعض سلاسل القيمة الفلاحية، وخاصة زيت الزيتون، مفارقة واضحة بين ارتفاع الكميات المصدرة وتراجع العائدات في بعض المواسم، نتيجة الاعتماد على تصدير الزيت السائب بدل المنتجات المعلبة عالية القيمة. وتشير بيانات حديثة إلى أن الزيت المعلب لا يمثل سوى حوالي 20% من العائدات مقابل أكثر من 75% للزيت السائب، ما يحد من القيمة المضافة الإجمالية للقطاع.
تفرض هذه المعطيات إعادة التفكير في النموذج التنموي الفلاحي، بحيث ينتقل من منطق التوسع الكمي إلى منطق الكفاءة والقيمة المضافة. ويظل العامل الحاسم في المدى الطويل هو القدرة على دمج الفلاحة التونسية في سلاسل القيمة العالمية عبر تحسين التمويل، وتوجيه الاستثمار، وتحديث التكنولوجيا، وتثمين الإنتاج عبر التحويل والتعليب بدل تصدير المواد الأولية.
وتؤكد التجربة التونسية أن الصادرات الفلاحية ليست مجرد انعكاس طبيعي للإنتاج، لكنها في الواقع نتيجة لتفاعل معقد بين التمويل والاستثمار والتكنولوجيا وكفاءة الإدارة. وفي ظل التحديات المناخية والمالية، يصبح تطوير هذا القطاع خياراً استراتيجياً يتجاوز البعد الفلاحي ليشمل الأمن الاقتصادي والقدرة التنافسية للدولة في الأسواق العالمية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية