آخر الأخبار

النمو في أوروبا: فرنسا تتوقف عند 0%، إسبانيا تصمد، وألمانيا تعود بخجل

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تجنّبت فرنسا الركود، لكنها لم تنجُ من حالة الجمود. ففي الربع الأول من عام 2026، ظلّ ناتجها المحلي الإجمالي مستقراً عند 0,0%، بعد أن سجّل +0,2% في الربع الرابع من عام 2025، وفق التقدير الأول الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (إنسي) يوم الخميس 30 أفريل. نموّ صفري، إذن. ليس تراجعاً بعد، لكنه إشارة واضحة: اقتصاد يتقدّم بلا زخم، داخل أوروبا تعاني بدورها من تباطؤ.

وراء هذا الرقم الذي يبدو محايداً، تبرز عدة نقاط ضعف. فقد تراجع استهلاك الأسر، الذي كان طويلاً محرّك الاقتصاد الفرنسي، بشكل طفيف بنسبة 0,1%. كما انخفض الاستثمار بـ0,4%. وتراجعت الصادرات بشكل ملحوظ، في حين تقلّصت الواردات أيضاً، ما يعكس فتور النشاط الاقتصادي. فرنسا لا تنهار، لكنها تتنفس بصعوبة أكبر.

المقارنة الأوروبية تزيد من حدة التباين. فقد لم تتجاوز نسبة النمو في منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي +0,1% خلال الربع الأول من عام 2026. وبالتالي، تظل أوروبا في مسار نمو، لكن بوتيرة شبه جامدة، وكأن القارة تتقدّم بخطوات محسوبة في مناخ من عدم اليقين. في المقابل، تواصل إسبانيا تميّزها بتسجيل +0,6%، مدفوعة بديناميكية أقوى. أما ألمانيا، التي أضعفتها في السنوات الأخيرة الأزمة الصناعية والطاقية، فقد عادت بشكل طفيف إلى النمو بنسبة +0,3%. فيما حققت إيطاليا تقدماً أكثر تواضعاً بلغ +0,2%.

بالنسبة لباريس، هذا الصفر ليس مجرد رقم إحصائي، بل يحمل وزناً سياسياً. فتباطؤ النمو يصعّب تقليص العجز، ويحدّ من الهوامش المالية، ويضعف خطاب التعافي التدريجي للاقتصاد الفرنسي. ورغم أن فرنسا لا تزال ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، فإنها لا تؤدي حالياً دور القاطرة.

أما بالنسبة لتونس، فإن هذا التباطؤ ليس خبراً بعيداً. إذ تظل فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للبلاد، خاصة في مجال المبادلات التجارية للسلع، بقيمة بلغت 8,5 مليارات يورو في عام 2024 وفق البيانات الفرنسية، كما تستوعب نحو ربع الصادرات التونسية.

وعليه، فإن فرنسا التي تستهلك أقل، وتستثمر أقل، وتستورد أقل، يمكن أن تكون لذلك انعكاسات مباشرة على عدة قطاعات تونسية: النسيج، والمكونات الصناعية، والخدمات، والمناولة، إضافة إلى السياحة وتحويلات التونسيين المقيمين بالخارج.

وتزداد حساسية هذا الوضع بالنظر إلى الارتباط الوثيق للاقتصاد التونسي بالاتحاد الأوروبي. ففي الربع الأول من عام 2026، بلغت الصادرات التونسية 16.266,8 مليون دينار، مقابل واردات بقيمة 21.499,5 مليون دينار، وفق المعهد الوطني للإحصاء. وفي هذه المعادلة، فإن أي ضعف مستمر في الطلب الأوروبي يمكن أن ينعكس سريعاً على دفاتر طلبات الشركات التونسية.

إلى جانب هذا الضعف الأوروبي، يبرز عامل قلق آخر: الأزمة في الشرق الأوسط. فالعلاقة مع النمو ليست نظرية، بل تمر عبر أسعار النفط، والنقل البحري، وتأمين الشحنات، وكلفة الشحن، وتكاليف الطاقة. وإذا استمرت التوترات المرتبطة بالممرات البحرية وسلاسل التزويد، فقد تواجه الشركات الأوروبية تكاليف أعلى، وآجال تسليم أطول، وحذراً أكبر في قرارات الشراء. وبالنسبة لبلد مثل تونس، المندمج في سلاسل القيمة الأوروبية-المتوسطية، قد يترجم ذلك إلى تراجع الطلبات، وتقلص الهوامش، وضغوط إضافية على الأسعار.

المفارقة واضحة: فرنسا ليست في أزمة مفتوحة، لكنها تعطي صورة اقتصاد معلّق. لا تتراجع، لكنها لا تتقدم. في المقابل، تؤكد إسبانيا أن ديناميكية مختلفة لا تزال ممكنة في أوروبا، فيما تلوّح ألمانيا بإشارات انتعاش خجولة. ومع ذلك، يبقى مجمل القارة هشاً، عالقاً بين ضعف الطلب، وحذر الشركات، والتوترات الجيوسياسية.

بالنسبة لتونس، القراءة واضحة: صحة الاقتصاد الأوروبي ليست مسألة خارجية. فهي تمسّ المصانع، والمصدّرين، وعائلات الجالية، وعائدات السياحة، وتوازنات العملة الصعبة. عندما تتباطأ فرنسا، يحبس جزء من الاقتصاد التونسي أنفاسه.

ويبقى السؤال الآن: هل يشكّل هذا الربع الأول مجرد عثرة عابرة أم بداية عام أضعف من المتوقع؟ حتى الآن، يمكن تلخيص التشخيص في جملة واحدة: فرنسا تتجنب الركود، لكنها تفقد سرعتها. وعندما تتباطأ أوروبا، تشعر تونس بذلك.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا