آخر الأخبار

النساء والتمويل الأخضر: رافعة لنمو اقتصادي أكثر شمولاً في تونس

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تُبرز التحولات المناخية والاقتصادية في تونس ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين التمويل والتنمية الاجتماعية. ففي سياق يتسم بتفاقم آثار الجفاف والتصحر وتآكل السواحل، وباقتصاد يرزح تحت ضغط البطالة التي تناهز في بعض التقديرات 15% وطنياً وتتجاوز 30% لدى الشباب، تبرز إشكالية إدماج الفئات الهشة في مسار الانتقال البيئي كأولوية استراتيجية.

ورغم أن النساء يمثلن نحو 65% من حرفاء مؤسسات التمويل الأصغر في تونس، فإن حضورهن في تمويل المبادرات الخضراء لا يزال محدوداً. هذا التناقض يعكس فجوة هيكلية بين ديناميكيات الشمول المالي ومتطلبات التحول البيئي، ويطرح تساؤلات حول فعالية النماذج الاقتصادية المعتمدة حالياً.

يكشف تحليل علمي معمق يستند إلى 32 دراسة أكاديمية عن اختلالات بنيوية في نموذج الأعمال للتمويل الأصغر الأخضر. ويُظهر هذا التحليل، المعتمد على تفكيك تسعة مكونات أساسية لنموذج العمل التجاري، أن القطاع يمتلك قاعدة بشرية واسعة وخبرة ميدانية معتبرة، لكنه يفتقر إلى الأدوات التشغيلية التي تسمح بدمج البعد البيئي مع مقاربة النوع الاجتماعي. وفي المقابل، تؤكد البيانات أن الاستثمار في النساء ليس فقط خياراً اجتماعياً، بل رافعة مالية أيضاً، إذ تسجل النساء معدلات سداد أعلى واستقراراً أكبر في مواجهة الصدمات، بما في ذلك الصدمات المناخية، وهو ما يعزز متانة المحافظ المالية، خاصة في الأنشطة الخضراء ذات المخاطر المرتفعة.

تصحيح الصورة النمطية

تُعيد القراءة السوسيواقتصادية لدور النساء في الاقتصاد المحلي تصحيح صورة نمطية راسخة، فرغم أن العديد من الدراسات تصنف النساء كفئة أكثر هشاشة تجاه التغير المناخي، إلا أن الواقع الميداني يبرز دورهن كفاعلات محوريات في إدارة الموارد الطبيعية إذ تتولى النساء في العديد من المناطق الريفية إدارة المياه المنزلية، والإنتاج الغذائي الصغير، وتدبير المخزونات، ما يمنحهن معرفة دقيقة بالأنظمة البيئية المحلية. وتشير تقديرات من منظمات دولية إلى أن النساء في البلدان النامية يساهمن بما يقارب 43% من القوى العاملة الزراعية، وهو ما يعزز فرضية أن إدماجهن في التمويل الأخضر يمكن أن يحقق أثراً مضاعفاً اقتصادياً وبيئياً.

تُظهر محدودية تصميم المنتجات المالية الخضراء فجوة في فهم دوافع الطلب لدى النساء، فالقروض الموجهة للطاقة الشمسية أو الزراعة المستدامة أو تقنيات الري المقتصد للمياه تُصمم غالباً وفق منطق مالي بحت، في حين أن النساء يقيّمن هذه المنتجات بناءً على منافع غير مالية، مثل تحسين جودة الحياة، وتعزيز الأمن الغذائي، وتقليص الأعباء المنزلية. ويؤدي غياب وضوح الأثر على الدخل إلى ضعف الإقبال على هذه المنتجات، رغم أهميتها البيئية، ما يكشف عن خلل في مواءمة العرض مع الطلب.

تحديات تشغيلية ومالية

تواجه مؤسسات التمويل الأصغر تحديات تشغيلية ومالية تعيق توسعها في التمويل الأخضر ذلك ان تمويل مشاريع الطاقات المتجددة أو الزراعة المستدامة يتطلب خبرات تقنية متخصصة، في حين يفتقر أعوان القروض غالباً إلى هذا النوع من الكفاءات. كما أن الاستثمار في التكوين، وبناء شراكات مع خبراء تقنيين، وتطوير أدوات متابعة بيئية يمثل عبئاً مالياً إضافياً. وفي ظل محدودية الموارد، تظل قنوات التوزيع تقليدية، قائمة على الوكالات المادية والأعوان الميدانيين، وهو ما لا يتماشى مع طبيعة المنتجات الخضراء التي تتطلب مرافقة تقنية مستمرة.

وتؤكد المؤشرات الرقمية أن التحول الرقمي لا يزال دون الإمكانات المتاحة فعلى الرغم من أن نسبة انتشار الهواتف المحمولة في تونس تفوق 120%، وأن استخدام الإنترنت يتجاوز 70% من السكان، فإن الحلول الرقمية في التمويل الأصغر لا تزال محدودة، خاصة في المناطق الريفية. ويُعزى ذلك إلى فجوة في المهارات الرقمية، وإلى تصورات مسبقة حول عدم ملاءمة هذه الأدوات للفئات المستهدفة، وهو ما يحرم المؤسسات من وسيلة فعالة لتوسيع نطاق خدماتها وتقليص كلفتها التشغيلية.

هذا وتكشف الدراسة عن ثغرات في نماذج الإيرادات المعتمدة في التمويل الأخضر حيث تفترض أغلب المقاربات أن العائدات من الفائدة على القروض كافية لضمان استدامة هذه المنتجات، وهو افتراض ضعيف في ظل طبيعة الأنشطة الخضراء التي تتسم بعوائد طويلة الأجل وغير مؤكدة. وفي المقابل، يتم إغفال مصادر دخل بديلة، مثل رسوم الاستشارة التقنية، أو الحوافز المرتبطة بالأداء البيئي، أو آليات التمويل المختلط التي تجمع بين القطاعين العام والخاص. كما يبرز غياب شبه كلي للرجال وسكان المناطق الريفية العميقة في هذه الدراسات، ما يحد من شمولية التحليل.

إعادة بناء نموذج التمويل الأصغر

تدعو المعطيات إلى إعادة بناء نموذج التمويل الأصغر على أسس أكثر دقة واستهدافاً إذ يصبح من الضروري الانتقال من مقاربة موحدة للحرفاء إلى مقاربة قائمة على التجزئة، تأخذ بعين الاعتبار اختلاف الاحتياجات بين النساء الريفيات والحضريات. كما يتطلب الأمر تطوير مهارات أعوان القروض لتشمل الجوانب البيئية والاجتماعية، وبناء شراكات مع التعاونيات النسائية ومزودي التكنولوجيا الخضراء، بما يعزز فعالية سلسلة القيمة.

تفرض المرحلة الحالية على السياسات العمومية الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ. ويتطلب ذلك إرساء أدوات عملية، مثل صناديق ضمان لتقاسم مخاطر القروض الخضراء، خاصة الموجهة للنساء، وتطوير أطر تنظيمية مرنة تسمح باختبار منتجات مالية مبتكرة، إضافة إلى اعتماد مؤشرات قياس أثر تجمع بين الأبعاد المالية والاجتماعية والبيئية. وتشير تجارب دولية، مثل بنغلادش والمغرب، إلى أن الجمع بين التمويل والدعم التقني يمكن أن يرفع من معدلات نجاح المشاريع الخضراء بأكثر من 20%.

تُبرز الحاجة إلى دور أكثر هيكلية للشركاء الدوليين في بناء منظومة مستدامة فبدلاً من الاقتصار على تمويل مشاريع ظرفية، يصبح من الضروري الاستثمار في تطوير المنتجات المالية، وتعزيز نقل المعرفة، ودعم البحث الميداني التشاركي. كما يمثل إشراك النساء في تصميم الحلول خطوة حاسمة لتحسين ملاءمتها وفعاليتها، بما يحولهن من مجرد مستفيدات إلى فاعلات رئيسيات في صياغة مستقبل الاقتصاد الأخضر.

كما تؤكد المعطيات أن الرهان ليس بيئياً فقط، بل تنموياً شاملاً فإدماج النساء في التمويل الأخضر يمكن أن يشكل رافعة مزدوجة لتعزيز الصمود المناخي وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً. وفي هذا الإطار، لا يتعلق الأمر بإصلاح تقني محدود، بل بإعادة تصور نموذج تنموي يضع العدالة الاجتماعية في صلب التحول البيئي، ويحول التحديات الراهنة إلى فرص لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر استدامة وتوازناً.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا