لم يعد تقييم الشركات يعتمد على ربحيتها فحسب، ولم تعد المؤسسات، بشكل عام، تعتمد في بناء سمعتها على أوضاعها المالية فقط، فقد ظهرت مفاهيم حديثة تساعد على خلق بيئة عمل قادرة على التعامل مع التطورات المتسارعة في الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية والإدارية عبر أنحاء العالم. وكان من أبرز هذه المفاهيم مفهوم “المسؤولية الاجتماعية للشركات”.
وقد أصبح دور المؤسسات محورياً في عملية التنمية، وهو ما أثبتته النجاحات التي تحققها الاقتصادات المتقدمة في هذا المجال، وقد أدركت المؤسسات أنها غير معزولة عن المجتمع، وتنبهت إلى ضرورة توسيع نشاطاتها لتشمل ما هو أكثر من النشاطات الإنتاجية، مثل مشاغل المجتمع والبيئة، وإلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الأضلاع الثلاثة التي عرّفها مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة وهي النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وحماية البيئة.
الالتزام الاجتماعي داعم للنجاعة الاقتصادي
تُبرز دراسة ميدانية على المؤسسات الصغرى والمتوسطة تحوّلًا نوعيًا في فهم العلاقة بين الالتزام الاجتماعي والنجاعة الاقتصادية، حيث لم تعد المسؤولية الاجتماعية للشركات مجرد خيار أخلاقي، بل أصبحت أداة استراتيجية لتحسين الربحية وتعزيز التنافسية.
تُعيد المسؤولية الاجتماعية للشركات في تونس رسم حدود العلاقة بين المؤسسة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي، بعدما كانت تُعتبر لعقود عبئًا تنظيميًا يحدّ من هوامش الربح. وتُشير الدراسة الحديثة التي شملت 60 مؤسسة صغرى ومتوسطة إلى أن إدماج البعد الاجتماعي والبيئي في الاستراتيجية العامة للشركة يُترجم فعليًا إلى مكاسب مالية ملموسة على المدى المتوسط والطويل.
وتنسجم هذه النتائج مع تقديرات دولية تُظهر أن الشركات التي تعتمد ممارسات مسؤولة تحقق، في المتوسط، نموًا في الإيرادات يتراوح بين 3% و5% سنويًا مقارنة بنظيراتها، إلى جانب انخفاض في تكاليف التشغيل بنسبة قد تصل إلى 10% بفضل تحسين الكفاءة الطاقية وتقليص الهدر.
تعزيز الربحية عبر رأس المال البشري
تؤكد الأدلة الميدانية أن الاستثمار في المسؤولية الاجتماعية يُترجم أولًا عبر رأس المال البشري، حيث ترتفع إنتاجية الموظفين بنسب تُقدَّر بين 12% و20% في المؤسسات التي تعتمد برامج رفاه وظيفي ومناخ عمل إيجابي.
وتُبرز المعطيات أن الموظف الذي يشعر بالانتماء والفخر المؤسسي يكون أقل ميلاً لمغادرة الشركة، ما يساهم في تقليص كلفة دوران اليد العاملة التي قد تمثل بين 15% و25% من الأجور السنوية. وتُعزّز في الآن ذاته السمعة المؤسسية، وهو عامل حاسم في الأسواق التنافسية، إذ تُظهر دراسات سلوكية أن نحو 70% من المستهلكين يفضلون التعامل مع علامات تجارية تُظهر التزامًا اجتماعيًا وبيئيًا واضحًا، ما يرفع من معدلات الولاء ويُحسن القيمة العمرية للعميل.
هذا وتلعب الأطراف المعنية دورًا محوريًا في تحويل المسؤولية الاجتماعية إلى أداء اقتصادي فعلي، إذ يُسهم انخراط الموظفين والعملاء والموردين والمجتمعات المحلية في خلق منظومة ثقة متبادلة. وتُبيّن نتائج الدراسة أن المؤسسات التي تعتمد آليات تشاركية، مثل الحوار الاجتماعي وبرامج المسؤولية المجتمعية المحلية، تحقق مستويات أعلى من الاستقرار التشغيلي وتقلّص مخاطر النزاعات وسلاسل التوريد.
ويُترجم هذا المناخ إلى تحسن في الإنتاجية وانخفاض في كلفة المخاطر، فضلًا عن تعزيز جاذبية المؤسسة لدى المستثمرين، خاصة في ظل تنامي أهمية معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية في قرارات التمويل، حيث تشير التقديرات إلى أن الأصول العالمية المدارة وفق هذه المعايير تجاوزت 30 تريليون دولار.
الأداء الاجتماعي يربط مباشرة بالمؤشرات المالية
يُظهر التحليل أن العلاقة بين الأداء الاجتماعي والأداء المالي ليست مجرد ارتباط نظري، بقدر ما تشكل علاقة سببية تتجلى في مؤشرات دقيقة، حيث تسجل المؤسسات المنخرطة في المسؤولية الاجتماعية نموًا في المبيعات يتراوح بين 5% و8%، إلى جانب تحسن في هوامش الربح بفضل ترشيد التكاليف وتعزيز ولاء العملاء. وفي السياق التونسي، تُؤكد المعطيات أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي دمجت هذه المقاربة في استراتيجيتها تحقق نتائج مالية أفضل مقارنة بنظيراتها، بما يعكس تحولًا تدريجيًا نحو نموذج تنموي أكثر استدامة وتوازنًا.
في ذات السياق، تُبرز مخرجات الدراسة جملة من التوجهات العملية، في مقدمتها ضرورة إدماج المسؤولية الاجتماعية ضمن صلب الاستراتيجية العامة للمؤسسة، بدل التعامل معها كمبادرات معزولة. وتؤكد أهمية إشراك الأطراف المعنية بصفة فعلية عبر آليات حوكمة تشاركية، إلى جانب الاستثمار في تحسين ظروف العمل وتعزيز السمعة المؤسسية. كما تُشدّد على أن العوائد المالية لهذه المقاربة قد لا تكون فورية، لكنها تتراكم تدريجيًا لتُحدث أثرًا مستدامًا في الأداء العام.
تخلص القراءة التحليلية إلى أن المسؤولية الاجتماعية للشركات في تونس لم تعد خيارًا تجميليًا أو استجابة ظرفية، بل أصبحت ركيزة استراتيجية لبناء ميزة تنافسية مستدامة، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تمثل أكثر من 90% من النسيج الاقتصادي الوطني وتساهم بنحو 60% من الناتج الداخلي الخام. ويؤكد هذا التحول أن الجمع بين الأداء الاجتماعي والنجاعة الاقتصادية لم يعد تناقضًا، بل معادلة رابحة تُعيد تعريف مفهوم النجاح المؤسسي في الاقتصاد الحديث.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية