آخر الأخبار

بقلم ياسين التركي: المال: التكلفة الحقيقية لما نعتقد أننا نوفره

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في سياق ارتفاع الأسعار، يصبح ردّ الفعل شبه تلقائي: الدفع بأقل تكلفة ممكنة. يبدو هذا الخيار عقلانيًا، لكنه ليس كذلك دائمًا.

قاعدة بسيطة تساعد على تصحيح هذا الانطباع: النفقة ليست مرتفعة إذا كانت تجنّبك نفقة أخرى لاحقًا.

السعر الفوري ليس التكلفة الحقيقية

مصدر الصورة

لنأخذ مثالًا بسيطًا. زوج من الأحذية بسعر 90 دينارًا يدوم ستة أشهر. سيتعيّن شراء آخر خلال السنة.
الكلفة الإجمالية: 180 دينارًا.

في المقابل، نموذج أكثر متانة بسعر 150 دينارًا يمكن أن يدوم سنتين أو ثلاثًا.
الكلفة الحقيقية، عند احتسابها على المدى الزمني، تكون أقل.

إذًا، سعر الشراء لا يكشف كل شيء. المهم هو الكلفة على المدى الطويل.

تأجيل النفقة غالبًا ما يزيدها

المنطق نفسه ينطبق على الصيانة. مراجعة سيارة بكلفة 120 أو 150 دينارًا تُعتبر غالبًا نفقة يمكن تجنبها، فيتم تأجيلها.

بعد أسابيع قليلة، يحدث العطل.
الفاتورة: 700 دينار أو أكثر.

الاقتصاد الأولي لم يكن اقتصادًا حقيقيًا، بل مجرد تأجيل للنفقة — مع تضخيمها.

الادخار قد يؤدي إلى خسارة المال

هذه حالة شائعة. شخص يدّخر شهريًا، مع الاحتفاظ بدين ذي فائدة مرتفعة.

في هذا السيناريو، يدرّ الادخار عائدًا ضعيفًا — غالبًا بين 2% و3% سنويًا، أي بضع عشرات من الدنانير فقط. في المقابل، قد يكلف دين الاستهلاك 10% إلى 12%، أو أكثر.

عمليًا، بالنسبة لـ 1,000 دينار:
الادخار يولّد 20 إلى 30 دينارًا سنويًا
الدَّين يكلّف 100 إلى 120 دينارًا خلال الفترة نفسها

الفارق واضح. المال المُدَّخر لا يعوّض ما يسببه الدين من خسارة. بعبارة أخرى، تدفع للبنك أكثر مما تربحه من ادخارك.

في هذه الحالة، يصبح سداد الدين الخيار الأكثر عقلانية: فهو وسيلة فورية لتوفير عشرات الدنانير سنويًا دون مخاطرة.

النتيجة: المال المُستثمر يدرّ أقل مما يخسره الدين.
وعليه، يصبح السداد الخيار الأكثر جدوى، حتى لو بدا وكأنك “لا تبني شيئًا”.

الإنفاق لزيادة الدخل: مثال عملي

بعض النفقات لا تقلّص فاتورة، بل تزيد الدخل.

لنأخذ مثالًا بسيطًا. دورة تدريبية في اللغة الإنجليزية أو تطوير الويب تكلف بين 300 و400 دينار. للوهلة الأولى، تبدو نفقة كبيرة، خاصة في ميزانية محدودة.

لكن إذا مكّنت هذه الدورة لاحقًا من:
الحصول على مهام تُنجز بالإنجليزية أو مع جهات دولية،
تعزيز فرص الترشح بمهارات إضافية،
إنشاء مواقع بسيطة لفائدة حرفاء،
أو الولوج إلى وظيفة ذات أجر أفضل،

وحقّقت زيادة قدرها +200 دينار شهريًا، فإن المعادلة تتغيّر تمامًا.

خلال شهرين فقط، تُسترجع كلفة الدورة. وبعد عام، قد تمثّل 2,400 دينار من الدخل الإضافي.

هذا النوع من النفقات لا يقوم على وعود نظرية، بل على منطق قابل للقياس: كلفة أولية محدودة مقابل تدفّق دخل محتمل ومستمر.

بالطبع، يعتمد الأمر على جودة التكوين والقدرة على توظيفه عمليًا. لكن في كثير من الحالات، خاصة في مجالات مثل الاستشارات أو تطوير الويب أو المهارات الرقمية، يمكن أن تتحوّل النفقة الأولية إلى مصدر دخل مباشر.

في العمق، يحيل ذلك إلى مبدأ بسيط: غالبًا ما يكون أول استثمار مربح هو الاستثمار في المهارات الذاتية.

فعلى عكس السلع، لا تبلى المهارة. بل يمكن استخدامها مرات متعددة، في سياقات مختلفة، وتستمر في توليد القيمة مع مرور الوقت.

وهذا ما يميّز هذا النوع من النفقات عن غيره: فهي لا تُستهلك، بل يُعاد استخدامها.

في سياق اقتصادي غير مستقر، حيث ترتفع الأسعار وتبقى المداخيل راكدة، يظل الاستثمار في المهارات من بين الأدوات القليلة المتاحة لتحسين الوضع المالي بشكل مستدام.

لم تعد نفقة، بل رافعة للدخل.

إعادة التفكير في الادخار

في بيئة تضخمية، ليس تقليص جميع النفقات أفضل استراتيجية دائمًا. بعض “التوفيرات” قد تضعف الميزانية بدل أن تحميها.

السؤال الصحيح ليس: “كم يكلف هذا؟”
بل: كم سيكلّف في المجموع؟

الدفع بسعر أقل قد يعطي انطباعًا بالتحكم في الميزانية.
وأحيانًا، لا يكون سوى طريقة للدفع مرتين.

ياسين التركي
خبير في الاقتصاد التطبيقي والاستهلاك والمالية الشخصية

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا