في البداية، لم تكن سوى ملفات منفصلة. رجل مفقود في نيو مكسيكو. مهندسة مفقودة بعد رحلة مشي في كاليفورنيا. أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) مقتول. عالم فلكي قُتل أمام منزله. ثم، مع مرور الوقت، امتدت القائمة، وتداولت الأسماء، وبدأت عمليات التحقق، وبرز سؤال واحد: هل أمريكا أمام سلسلة مقلقة من الحوادث، أم مجرد عدة درامات لا صلة بينها؟
منذ عام 2023، توفي أو اختفى على الأقل عشرة أشخاص مرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بمجالات حساسة مثل الطاقة النووية، والفضاء، أو بعض المختبرات الحكومية. إن هذا التراكم، أكثر من كل حالة على حدة، هو الذي نقل القضية إلى بعد آخر تماماً.
ما الذي يثير القلق؟
تجذب هذه القضية الانتباه لأنها تجمع بين عاملين مثيرين: الحقائق الواقعية، وغياب كبير في التفسير المشترك. العديد من الأشخاص المذكورين كانوا مرتبطين بمؤسسات مثل مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا، لوس ألاموس، أو حتى هياكل تتبع البحث العسكري والطاقة. فقط هذا يكفي لإثارة خيال الأمريكيين حول السرية، والقوة التكنولوجية، والصراعات الخفية.
لكن مع النظر عن كثب، تصبح القضية أكثر تناقضًا. فالأشخاص المختلفون، والظروف المتباينة، والمنظمات المعنية لا تشكل كتلًا متجانسة.
أسماء قد أثارت القضية
من بين الحالات التي تم تداولها على نطاق واسع، تبرز حالة ويليام نيل مكاسلاند، الجنرال السابق في القوات الجوية الأمريكية، الذي اختفى في نيو مكسيكو في نهاية فبراير 2026. خلفيته في البحث العسكري وذكر اسمه في بعض النقاشات حول الظواهر الجوية غير المحددة ساعد على تأجيج التكهنات. ومع ذلك، وفقًا لتقارير CBS News، لم تقدم السلطات المحلية أي دليل على وجود جريمة في المرحلة الأولية من التحقيقات.
اسم آخر تداول بكثرة هو “مونيكا جاكينتون ريزا”، المهندسة الفضائية البالغة من العمر 60 عامًا، التي اختفت في 22 يونيو 2025 أثناء رحلة مشي في مقاطعة لوس أنجلوس. مرة أخرى، أدى غياب التفسير إلى زيادة الإثارة.
تضم القائمة أيضًا نونو لورييرو، أستاذ في MIT ومتخصص في فيزياء البلازما، الذي قُتل في ديسمبر 2025، وكارل جريلمير، عالم الفلك في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech)، الذي تم اغتياله في فبراير 2026.
بين المآسي الشخصية والسرد الوطني
هنا تبدأ القضية في التغير. فاليوم، ما يتم تداوله في الفضاء العام الأمريكي ليس مجرد سلسلة من الملفات القضائية أو الجنائية. بل هو سرد قومي في طور البناء. سرد يمتزج فيه الخوف من التجسس، والشك في التدخلات الخارجية، والوسواس حول أسرار الدولة، والانبهار بالمناطق الرمادية للسلطة العلمية والعسكرية.
إن هذه الشحنة الرمزية تفسر سبب أن القضية اكتسبت هذا الحجم الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يتم تناولها من قبل وسائل الإعلام الكبرى.
ترامب: محرك أكثر منه نقطة انطلاق
دونالد ترامب ليس هو من بدأ القضية. كانت القصة تتداول بالفعل. لكنّه منحها بعدًا وطنيًا جديدًا عندما صرّح في 16 أبريل 2026 أنه خرج للتو من اجتماع حول هذا الموضوع، معتبراً أن القضية “خطيرة إلى حد ما”، وأعرب عن أمله أن تكون مجرد صدفة. كما أكد أنه يتوقع أن تتوفر تفاصيل إضافية قريبًا.
ببضع جمل، توقفت القضية عن كونها مجرد إشاعة تضخمت عبر الإنترنت لتصبح قضية معترف بها على أعلى مستوى في الدولة. هذه النقلة هي التي أشعلت الجدل، ليس لأن ترامب قدّم دليلاً، ولكن لأنه منح القصة شرعية سياسية لموضوع لا يزال غير مؤكد.
البيت الأبيض ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) يتدخلان
في 18 أبريل 2026، أكّد البيت الأبيض أنه يعمل مع “جميع الوكالات المعنية” ومع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لمراجعة جميع الحالات، بشكل شامل، بهدف تحديد أي تشابهات محتملة. هذه الصياغة مهمة: فهي لا تؤكد أي صلة بين الحالات، لكنها تظهر أن الحكومة الأمريكية تعتبر هذه القضايا جادة بما يكفي لتبرير مراجعة منسقة.
ما الذي نعرفه بالفعل وما الذي لا نعرفه
ما نعرفه هو أنه كانت هناك بالفعل عدة حالات وفاة واختفاء مرتبطة بأشخاص منخرطين في مجالات علمية أو تقنية حساسة منذ عام 2023. كما نعلم أن القضية قد اكتسبت طابعًا سياسيًا جعل البيت الأبيض وFBI يعلنان عن مراجعة شاملة.
لكن ما لا نعرفه هو ما إذا كانت هذه السلسلة تشكل في الواقع وحدة واحدة. لا يوجد، حتى الآن، أي دليل علني يشير إلى أنها حملة منسقة، أو عملية أجنبية، أو مؤامرة كبيرة.
لماذا هذه القضية تثير القلق؟
تثير هذه القضية الانتباه لأنها تمس خوفًا معاصرًا: الخوف من أن تصبح النخب العلمية نفسها شخصيات هشة في عصر تهيمن عليه الحرب التكنولوجية، والسرية الاستراتيجية، وتداول الروايات غير المراقبة. فعندما يختفي عالم، لا يُنظر إلى ذلك على أنه اختفاء شخص مجهول. في الخيال الجمعي، يختفي معه جزء من المعرفة، والقوة أو السر.
ربما يكون هذا هو ما يجعل هذه القضية مثيرة للقلق. فهي لا تروي فقط مآسي إنسانية، بل تروي أيضًا عصر أمريكا نفسها: عصر يتنقل فيه الشك أسرع من الأدلة، حيث يمكن أن ينتج صمت الحقائق في بعض الأحيان تأثيرًا أكبر من تفسيرها.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية