آخر الأخبار

التمويل البديل يفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد التونسي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تشهد المنظومة المالية التونسية مفارقة لافتة وذلك في ظل وجود سوق مالية تحقق أداءً إيجابياً نسبياً، لكنها تبقى غير قادرة على لعب دور محوري في تمويل الاقتصاد، من جهة ووسط تزايد الضغط على البنوك التي تتحمل العبء الأكبر من التمويل في ظل محدودية بدائل فعالة، من جهة اخرى. هذه الوضعية تفتح الباب أمام صعود التمويل البديل والتكنولوجيا المالية كرهان استراتيجي لإعادة تشكيل مشهد التمويل .

تشير أحدث البيانات إلى أن البنوك توفر نحو 95% من تمويل الاقتصاد، في حين لا تتجاوز مساهمة السوق المالية بين 5% و10% فقط، مقارنة بـ30% في اقتصادات مماثلة وأكثر من 50% في الاقتصادات المتقدمة . كما أن نحو 40% من طلبات القروض تُرفض، ما يعكس اختناقاً هيكلياً في قنوات التمويل التقليدية.

بورصة تونس: أداء جيد ودور اقتصادي محدود

رغم تسجيل بورصة تونس نتائج إيجابية خلال 2024 ، مع تحسن أرباح الشركات المدرجة بنسبة 12.2% وارتفاع توزيع الارباح إلى نحو 1.6 مليار دينار، إلا أن هذه الديناميكية لم تُترجم إلى تأثير فعلي على تمويل الاستثمار .

تظل الرسملة السوقية في حدود 20% من الناتج الداخلي الخام، وهو مستوى ضعيف مقارنة بالمعايير الدولية . كما أن عدد الشركات المدرجة لا يتجاوز 75 شركة، وهي تتركز أساساً في القطاع المالي، مع غياب قطاعات استراتيجية مثل الفلاحة والطاقة والسياحة .

هذا الضعف الهيكلي يعود إلى عدة عوامل، أبرزها محدودية السيولة، ضيق قاعدة المستثمرين، ضعف مشاركة الأجانب، إضافة إلى مناخ اقتصادي يتسم بارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، مما يقلل من جاذبية الاستثمار في الأسهم .

تحديات الوساطة المالية

تعكس بنية التمويل في تونس نموذج “اقتصاد المديونية”، حيث يسيطر القطاع البنكي بشكل شبه كامل على تمويل المؤسسات. وقد بلغ حجم القروض للاقتصاد أكثر من 114 مليار دينار، مع هيمنة واضحة للبنوك .

غير أن هذا النموذج بلغ حدوده القصوى. فارتفاع نسب رفض القروض، وعزوف المؤسسات الصغرى عن طلب التمويل، يكشفان عن فجوة تمويلية عميقة، خاصة بالنسبة للمؤسسات الناشئة والمبتكرة. ويعزز هذا الاختلال الحاجة إلى قنوات تمويل بديلة أكثر مرونة وتنوعاً .

التمويل التشاركي: أداة واعدة

يمثل التمويل التشاركي أحد أبرز مكونات التمويل البديل، خاصة بعد إصدار الإطار القانوني المنظم له في تونس. يتيح هذا النمط تعبئة الادخار مباشرة من الأفراد لفائدة المشاريع، دون المرور عبر الوساطة البنكية التقليدية . ورغم الإمكانيات الكبيرة، لا يزال هذا القطاع في مرحلة النشأة، مع محدودية عدد المنصات وحجم العمليات. غير أن التجارب الدولية تثبت قدرته على تمويل الشركات الناشئة والمشاريع الابتكارية، خاصة في البيئات التي تعاني من شح التمويل البنكي .

شركات الاستثمار : دور متنامٍ

تعد شركات الاستثمار، وخاصة صناديق رأس مال المخاطرة، من الآليات الأساسية لتمويل المؤسسات ذات النمو المرتفع. شهد هذا القطاع تطوراً نسبياً في البلاد خلال السنوات الأخيرة، مدعوماً ببرامج مثل قانون الشركات الناشئة . لكن حجم التدخلات يبقى محدوداً مقارنة بحاجيات السوق، كما أن التركيز يظل موجهاً نحو قطاعات معينة، خاصة التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن هذه الآلية توفر بديلاً مهماً عن التمويل التقليدي، خصوصاً في المراحل الأولى من حياة المشاريع .

التكنولوجيا المالية : رافعة التحول القادمة

تشكل التكنولوجيا المالية أحد أبرز المسارات الواعدة لإعادة تشكيل النظام المالي في تونس. من الدفع الإلكتروني إلى الإقراض الرقمي، تتيح هذه الحلول توسيع الشمول المالي وتقليص كلفة التمويل . في ظل نسبة إدماج مالي لا تزال دون 40%، يمكن للتكنولوجيا المالية أن تلعب دوراً محورياً في إدماج فئات جديدة من الفاعلين الاقتصاديين، خاصة في المناطق الداخلية. كما تساهم في تحسين كفاءة توزيع الموارد المالية وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج . لكن تطوير هذا القطاع يتطلب بيئة تنظيمية مرنة، وبنية تحتية رقمية متطورة، إضافة إلى تعزيز الثقة في الحلول الرقمية .

أي دور مستقبلي للبورصة ؟

رغم محدودية دورها الحالي، تظل البورصة أداة استراتيجية لا غنى عنها. ويكمن التحدي في تحويلها من سوق ثانوية محدودة التأثير إلى قناة رئيسية لتمويل الاقتصاد .

يتطلب ذلك جملة من الإصلاحات، أبرزها تبسيط شروط الإدراج، تحفيز الشركات الكبرى على الإدراج، تطوير منتجات مالية جديدة، وتوسيع قاعدة المستثمرين، خاصة المؤسساتيين والأجانب. كما يمكن التفكير في آليات مبتكرة مثل إدراج المؤسسات العمومية أو إلزام بعض الشركات الكبرى بالطرح في السوق .

تكشف التجربة التونسية أن الاعتماد المفرط على التمويل البنكي لم يعد مستداماً. في المقابل، لا تزال السوق المالية غير قادرة على لعب دور بديل حقيقي. بين هذين القطبين، يبرز التمويل البديل كخيار استراتيجي لتجاوز الاختناقات الحالية .

يظل نجاح هذا التحول رهين رؤية شاملة تقوم على تكامل الأدوار بين البنوك، السوق المالية، والآليات البديلة، في إطار منظومة مالية أكثر تنوعاً وابتكاراً. فقط عبر هذا النموذج الهجين يمكن لتونس أن تعيد توجيه الادخار نحو الاستثمار، وتؤسس لنمو اقتصادي أكثر استدامة .

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا