تواجه تونس واحدة من أعقد المعضلات الهيكلية في مسارها الاقتصادي، تتمثل في تآكل قاعدة إنتاجها المحلي من النفط والغاز مقابل تسارع الطلب الداخلي على الطاقة، بما يجعل ملف الأمن الطاقي أحد أبرز التحديات الضاغطة على المالية العمومية والتوازنات الخارجية خلال السنوات المقبلة.
ودفع واقع الاحتياطيات المحدودة والنضوب الطبيعي المتواصل للحقول التاريخية البلاد إلى تكريس اعتماد متزايد على الواردات لتغطية حاجياتها، في وقت أصبحت فيه أسعار الطاقة العالمية عاملاً مباشراً في الضغط على الميزانية والعملة الاجنبية.
يعكس هذا الوضع تحولاً عميقاً في بنية القطاع الطاقي الوطني، ولم يعد الحديث مقتصراً على مسألة ظرفية مرتبطة بتقلبات السوق الدولية، بقدر ما بات مرتبطا بإشكال هيكلي مرتبط بتراجع القدرة الذاتية لتونس على تأمين احتياجاتها من مواردها الطبيعية، في ظل محدودية الاكتشافات الجديدة وعجز الاستثمارات الاستكشافية عن تعويض استنزاف الحقول القديمة.
من طفرة الثمانينيات إلى مرحلة الانكماش الهيكلي
عرفت البلاد بدايات استغلالها النفطي منذ اكتشاف حقل البرمة سنة 1964 ودخوله مرحلة الإنتاج في 1966، قبل أن يتعزز النشاط الطاقي باستغلال حقل عشتروت سنة 1974، مما أسهم في دخول مرحلة ازدهار خلال السبعينيات والثمانينيات. وبلغ إنتاج النفط ذروته مطلع الثمانينيات عند نحو 118 ألف برميل يومياً، مدفوعاً بأداء الحقول الكبرى التي شكلت حينها العمود الفقري للإنتاج الوطني.
غير أن هذا الزخم لم يدم طويلاً، إذ بدأت المؤشرات في الانعكاس منذ الثمانينيات مع دخول الحقول مرحلة التراجع الطبيعي، بالتزامن مع انخفاض الأسعار العالمية وخروج عدد من الشركات الكبرى من السوق التونسية. ومنذ ذلك التاريخ، دخل القطاع في مسار انحداري طويل لم تفلح الاكتشافات اللاحقة في وقفه، نظراً إلى محدودية أحجامها وطابعها الهامشي.
انهيار تدريجي في الاحتياطيات والإنتاج
تكشف البيانات الحديثة حجم التحول الذي شهده القطاع خلال العقود الماضية حيث تراجعت احتياطيات تونس المؤكدة من النفط إلى نحو 425 مليون برميل في نهاية 2025، مقارنة بذروة تاريخية بلغت 2.5 مليار برميل سنة 1981، مما يعكس فقدان البلاد أكثر من 80 في المائة من احتياطياتها النفطية خلال أربعة عقود.
أما على مستوى الإنتاج، فقد انخفض إلى 25.2 ألف برميل يومياً فقط في 2025، مقابل 28.5 ألف برميل في 2024، بتراجع سنوي نسبته 12 بالمائة، وهو مستوى يبتعد كثيراً عن مستويات الإنتاج القياسية المسجلة قبل عقود، ويؤكد استمرار منحى الانكماش الهيكلي للقطاع النفطي.
ولا يختلف وضع الغاز الطبيعي كثيراً عن النفط، إذ استقرت الاحتياطيات المؤكدة عند 2.3 تريليون قدم مكعبة، أي ما يعادل نحو 65 مليار متر مكعب، دون اكتشافات كبرى جديدة تذكر. كما انخفض الإنتاج المحلي إلى 1.20 مليار متر مكعب في 2025 مقابل 1.35 مليار متر مكعب في السنة السابقة، بتراجع سنوي بلغ 11 في المائة، رغم الأثر الإيجابي المؤقت الذي أحدثه دخول حقل نوارة إلى الإنتاج سنة 2020.
اتساع فجوة العجز الطاقي
ترافق هذا التراجع المتواصل في الإنتاج المحلي مع ارتفاع مستمر في الاستهلاك الوطني، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب بصورة غير مسبوقة. وقد ارتفع عجز ميزان الطاقة في تونس بنسبة 19 بالمائة خلال 2025 ليبلغ 6.3 مليون طن مكافئ نفط، مقابل 5.3 مليون طن في العام السابق، بينما بلغ إجمالي الطلب المحلي على الطاقة 9.7 مليون طن مكافئ.
وتراجع مؤشر الاستقلالية الطاقية، الذي يقيس قدرة البلاد على تلبية حاجياتها من مواردها الذاتية، إلى 35 بالمائة فقط خلال 2025، نزولاً من 41 في المائة في 2024، في اشارة الى أن تونس أصبحت تعتمد على الخارج لتغطية قرابة ثلثي حاجياتها الطاقية.
وفي قطاع الغاز تحديداً، ارتفعت الواردات إلى 4.15 مليار متر مكعب في 2025، مقابل 3.61 مليار متر مكعب في السنة السابقة، وهو ما يعكس تصاعد الارتباط بالإمدادات الخارجية، علما ان الجزائر تمثل المزود الرئيسي عبر خط “ترانسميد” العابر للمتوسط.
يزداد الوضع تعقيداً بالنظر إلى طبيعة مزيج إنتاج الكهرباء في تونس، الذي يعتمد بنسبة 95 بالمائة تقريباً على الغاز الطبيعي، ليجعل هذا المعطى البلاد شديدة التأثر بأي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع في الأسعار الدولية. ويستحوذ قطاع الكهرباء وحده على 74 بالمائة من إجمالي الطلب الوطني على الغاز.
وقد ارتفع إنتاج الكهرباء إلى 20.53 غيغاواط/ساعة في 2025 مقابل 19.44 غيغاواط/ساعة في 2024، فيما بلغت القدرة المركبة 6.86 غيغاواط خلال 2024. ورغم ذلك، لا تزال تونس تعتمد على الجزائر لتأمين نحو 11 بالمائة من حاجياتها الكهربائية عبر الربط المشترك، في تأكيد لهشاشة منظومة التزويد الحالية.
الطاقات المتجددة… ضرورة اقتصادية لا خيار بيئي
أمام هذه الضغوط، لم يعد التحول نحو الطاقات المتجددة خيارا بيئيا أو التزاما مناخيا فحسب، ولكنه أصبح ضرورة استراتيجية واقتصادية لتخفيف التبعية للخارج وتقليص الضغط على المالية العمومية. وقد رفعت البلاد قدراتها من الطاقات النظيفة إلى 1.08 غيغاواط نهاية 2024، مدفوعة أساساً بتوسع الطاقة الشمسية التي ارتفعت من 506 ميغاواط إلى 773 ميغاواط خلال عام واحد.
لكن رغم هذا التقدم، لا تزال مساهمة الطاقات المتجددة محدودة جداً، إذ لم تتجاوز 4 بالمائة من إنتاج الكهرباء في اواخر 2024، وهي نسبة بعيدة عن الأهداف الرسمية السابقة البالغة 12 بالمائة، كما تطرح اشكالات بشأن إمكانية بلوغ هدف 30 في المائة بحلول 2030.
وتعوّل الحكومة على مشاريع جديدة مرتقبة، بينها أربع محطات شمسية بقدرة إجمالية 500 ميغاواط يفترض دخولها الخدمة بحلول 2027، إلى جانب محطة القيروان الشمسية التي دخلت التشغيل التجاري نهاية 2025 بقدرة 120 ميغاواط، كأكبر مشروع شمسي في تاريخ البلاد.
على هذا الاساس، تكشف المؤشرات أن تونس دخلت مرحلة طاقية جديدة عنوانها الرئيسي تراجع الموارد التقليدية وارتفاع كلفة التبعية الخارجية. وبين محدودية الاحتياطيات وتآكل الإنتاج وتسارع الطلب، تبدو البلاد أمام معادلة معقدة تفرض إعادة هيكلة عميقة لاستراتيجيتها الطاقية، عنوانها تنويع المصادر وتسريع الاستثمار في الطاقات البديلة وتحسين النجاعة الطاقية.
ففي غياب تحول سريع وفعّال، قد يتحول ملف الطاقة من تحدٍ اقتصادي مزمن إلى أحد أكبر عوامل الضغط على الوضع المالي والاقتصادي خلال العقد المقبل.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية