يشهد التمويل الإسلامي في تونس صعوداً تدريجياً لكنه ثابت داخل المشهد المالي الوطني، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أدوات تمويلية أكثر تنوعاً وقدرة على استقطاب شرائح ظلت تاريخياً خارج المنظومة البنكية التقليدية.
وبينما تبحث البلاد عن آليات مبتكرة لتعميق الإدماج المالي وتحفيز الادخار والاستثمار، يبرز سؤال محوري داخل الأوساط الاقتصادية: هل يمكن لهذا النموذج المالي أن يتحول إلى رافعة حقيقية لتوسيع الشمول المالي في تونس؟
سوق واعدة داخل فضاء مالي غير مستغل بالكامل
تأتي أهمية هذا السؤال من واقع مالي لا يزال يكشف عن فجوات هيكلية وازنة في النفاذ إلى الخدمات البنكية فرغم توسع البنية المالية في البلاد، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ما بين 30 و40 بالمائة من السكان البالغين في تونس ما زالوا خارج الخدمات المالية الرسمية أو يحصلون عليها بشكل محدود، بما يمثل ما يصل إلى 3.5 ملايين شخص تقريباً، فيما تبقى شريحة واسعة من المؤسسات الصغرى غير مخدومة بالشكل الكافي.
ضمن هذا السياق، يبرز التمويل الإسلامي كخيار قادر نظرياً على استقطاب فئات تتردد في التعامل مع البنوك التقليدية لأسباب دينية أو ثقافية أو نفسية، خاصة في مجتمع ما تزال فيه الاعتبارات المرتبطة بشرعية المعاملات المالية ذات اهمية خاصة في القرار الاقتصادي الفردي.
تكمن إحدى أبرز نقاط قوة التمويل الإسلامي في كونه لا يقدم نفسه فقط كمنتج مالي، ولكن كبديل قيمي وأخلاقي ينسجم مع قناعات شريحة من المواطنين. وهذا البعد غير المالي قد يمنحه قدرة خاصة على إدماج مدخرات وأموال ظلت خارج الدورة البنكية لسنوات.
ففي اقتصاد ما تزال فيه الكتلة النقدية المتداولة خارج القنوات البنكية مرتفعة للغاية، حيث بلغت الأموال النقدية المتداولة في تونس مستوى قياسياً بنحو 27.5 مليار دينار مطلع 2026، وفق بيانات للبنك المركزي، فإن أي نموذج قادر على جذب جزء من هذه السيولة إلى النظام الرسمي يمثل مكسباً هيكلياً للقطاع المالي.
وتبين المعطيات المالية أن التمويل الإسلامي، بحكم طبيعته القائمة على الأصول الحقيقية والمرابحة والمشاركة بدل الإقراض بالفائدة التقليدية، قد يكون أكثر قدرة على استقطاب هذه الكتلة النقدية الكامنة إذا تم تطوير منتجاته بشكل يتلاءم مع حاجيات السوق المحلية.
فرصة لدعم تمويل الفئات الهشة والمؤسسات الصغرى
لا يقتصر دور التمويل الإسلامي المحتمل على استقطاب المدخرات فقط، بل يمتد إلى توسيع النفاذ إلى التمويل، خاصة لدى الفئات التي تجد صعوبة في الولوج إلى القروض التقليدية ذلك ان الصيغ الإسلامية، مثل التمويل بالمشاركة أو الإجارة أو المرابحة، توفر مرونة أكبر في هيكلة التمويل وربطه بمشاريع أو أصول حقيقية، وهو ما قد يجعلها أكثر ملاءمة لتمويل الحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة ورواد الأعمال الناشئين الذين يفتقرون إلى الضمانات البنكية التقليدية.
كما أن تنامي سوق التمويل الإسلامي عالمياً يعزز هذا الطرح، إذ بلغت قيمة القطاع عالمياً حوالي 3.88 تريليونات دولار في 2024 مع نمو سنوي بلغ نحو 14.9 بالمائة، بما يعكس اتساع الثقة الدولية في هذا النموذج المالي.
غير أن الرهان على التمويل الإسلامي لا يخلو من تحديات جوهرية بحكم ان القطاع ما يزال محدود الحجم في تونس مقارنة بالبنوك التقليدية، سواء من حيث الحصة السوقية أو انتشار الفروع أو تنوع المنتجات حيث قدّرت قيمة محفظة القروض لدى البنوك الاسلامية في تونس، بنحو 9068 مليون دينار في 2024، مع هيمنة عمليات المرابحة، بنسبة 65،1 بالمائة، تليها عمليات الإجارة، بنسبة 16،1 بالمائة.
كما أن بعض الانتقادات الموجهة إلى قطاع التمويل الإسلامي تتعلق بكون منتجاته الحالية لا تختلف جوهرياً في كلفتها النهائية عن التمويل التقليدي، وهو ما قد يحد من جاذبيته الاقتصادية لدى الفئات ذات الدخل المحدود إذا لم يتم تطوير نماذج أكثر تنافسية وابتكاراً. إضافة إلى ذلك، فإن نجاح التمويل الإسلامي في دعم الشمول المالي يظل رهين توفر بيئة تنظيمية وتشريعية متطورة، تشمل تحديث الأطر القانونية للصكوك والتكافل والتمويل الأصغر الإسلامي، فضلاً عن تعزيز الثقافة المالية لدى المواطنين.
التكامل مع الرقمنة قد يضاعف الأثر
الأهم أن مستقبل التمويل الإسلامي في تونس قد لا يكون مرتبطاً فقط بتوسعه التقليدي، بل بقدرته على الاندماج ضمن الثورة الرقمية المالية الجارية.
فقد ارتفعت نسبة مستخدمي الخدمات المالية الرقمية في تونس إلى 40 بالمائة في 2025 مقابل 26 بالمائة فقط سنة 2019، وفق معطيات البنك المركزي. وهذا يعني أن الجمع بين التمويل الإسلامي والتكنولوجيا المالية قد يخلق نموذجاً أكثر مرونة وانتشاراً، يسمح بتقديم خدمات مصرفية إسلامية رقمية منخفضة الكلفة تصل إلى المناطق الداخلية والفئات غير المخدومة بسهولة أكبر.
عملياً، يمتلك التمويل الإسلامي كل المقومات النظرية ليكون أداة داعمة للشمول المالي في تونس، عبر توسيع قاعدة المتعاملين، وجذب السيولة غير المهيكلة، وابتكار حلول تمويلية أكثر قرباً من حاجيات الاقتصاد الحقيقي لكن تحوله إلى محرك فعلي لهذا الشمول يبقى مشروطاً بتجاوز مرحلة “المنتج البديل” نحو بناء منظومة مالية متكاملة قادرة على الابتكار والمنافسة والتوسع.
ومن هنا، فان الرهان الحقيقي يتجاوز وجود البنوك الإسلامية، ليتعلق بمدى قدرتها على تقديم قيمة مضافة فعلية، وتخفيض كلفة النفاذ إلى التمويل، وابتكار منتجات تستجيب لحاجيات السوق التونسية المعاصرة. وبذلك، يبدو أن التمويل الإسلامي يمكن أن يصبح أحد مفاتيح توسيع الشمول المالي في تونس، ليس بوصفه حلاً سحرياً منفرداً، ولكن كجزء من رؤية أشمل لإعادة هندسة المنظومة المالية الوطنية على أسس أكثر شمولاً ومرونة وابتكاراً.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية