لم يسبق أن اهتزّ البناء الرئاسي الأمريكي بهذا الشكل، حتى في عهد جورج دبليو بوش. وليس من الصعب القول إنّ دونالد ترامب هو، دون أدنى شك، أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، على جميع المستويات. 250 عامًا من الديمقراطية انتهت إلى هذا الانهيار الأخلاقي والسياسي، بل والديني أيضًا.
قد يكون الرئيس غير التقليدي، بل وحتى المتقلّب، أمرًا مقبولًا أحيانًا، بل قد يكون مطلوبًا لهزّ الجمود، وإصلاح البلاد بوتيرة سريعة، وفرض التغييرات اللازمة. لكن أن يُقدم رئيس على نسف ما هو أعزّ على الناس، وأثمن لديهم، وأكثر قداسة، فتلك خطوة لم يجرؤ أي رئيس أمريكي على الإقدام عليها قبل ترامب.
حتى تاكر كارلسون ووجوه بارزة أخرى في تيار “ماغا” تخلّت عنه
حتى أكثر أنصاره تشددًا، ومن بينهم الصحفي الشهير تاكر كارلسون وكبار المؤثرين في دائرة “ماغا”، لم يعودوا يساندونه، وأصبحوا يعلنون ذلك على الملأ. وقد التزم كثيرون الصمت عندما بدأ الجمهوري بتفكيك العدالة وتقويض الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية ودولة القانون. وربما اعتبروا أن تلك مجرد “أضرار جانبية” صغيرة لنزعة ثورية، وأن الأهم هو الغاية النهائية، إلى غير ذلك.
لكن القلق بدأ يتصاعد عندما شرع ترامب في نسف الرابط عبر الأطلسي، والابتعاد عن حلفائه الأوروبيين لشقّ طريقه منفردًا، وهو ما قاده إلى المستنقع الإيراني.
لقد بات رئيسًا خطيرًا على بلاده وعلى البشرية جمعاء. لا حدود له، وهو مجرّد تمامًا من أي رادع داخلي، أما الضوابط الوحيدة التي تكبّله فهي تلك التي تُفرض عليه بالقوة، كما يفعل الملالي الإيرانيون في هذه اللحظة بالذات.
و إذا كان هناك أمران يجمعان جميع الأمريكيين، فهما الله والدولار، أي الحرفان المقدّسان “D”. أما الدولار، فترامب يوقّع له فورًا، إذ لا يؤمن إلا بالربح، حتى الأكثر إثارة للريبة منه؛ أما الله، فذلك موضوع آخر تمامًا…
فلو كان يؤمن حقًا بالرب، لما سمح لنفسه أبدًا بأن يدوس على أول مؤسسة تتحدث باسمه، والبوصلة التي يهتدي بها مسيحيو العالم أجمع: الفاتيكان. هل فكّر ترامب في المؤمنين الذين صوّتوا له قبل أن يطعن أعلى سلطة في الكنيسة الكاثوليكية، البابا ليون السادس عشر، وهو أمريكي أيضًا؟ قطعًا لا. لم يفكر في الأمر ولو لثانية واحدة، تمامًا كما أهمل كل المعطيات الأخرى في حربه المجنونة على إيران.
و ما يأخذه البابا عليه تحديدًا هو أنه وضع العالم على حافة الهاوية لأسباب سيئة، منساقًا وراء أهواء مدمّرة، من قبيل إرادة القوة، وغريزة الهيمنة، والطمع في المكاسب، أو ببساطة النزعات القاتلة، وهي أمور تسببت في انحراف مجتمعات كثيرة عبر التاريخ.
أما ما يأخذه ترامب على البابا، فهو أنه واجهه بالحقيقة، وذكّره بمسؤوليته التاريخية أمام الله وأمام البشر. وهي أمور ينبغي أن تُقال لأقوى رجل على وجه الأرض، حتى لا يستسلم لوهم القدرة المطلقة.
و هذا بالذات ما جعل ترامب ينزلق: لقد تنكّر في هيئة السيد المسيح، باعتباره مخلّص الأرواح ومداوي الآلام الجسدية. لقد تجرأ على ذلك. وكان هذا أول تدنيس ارتكبه. أما الثاني، فتمثل في نشر تلك الصورة المذهلة على شبكته الاجتماعية، معتقدًا أنه قادر على انتزاع تأييد أنصاره من الكاثوليك.
و هنا يتأكد أن الذين يبدون قلقهم على الصحة النفسية للرئيس ليسوا مخطئين. وأمام موجة الغضب داخل صفوف أنصار الجمهوريين، سارع إلى حذف ذلك التركيب الذي يكشف الكثير عن انهيار أعلى مؤسسة أمريكية.
و يعاونه في هذا المسار المشؤوم نائبه جي. دي. فانس، الذي اكتشف هو الآخر متأخرًا “دعوة مسيحية”. “معتنق جديد”. لكن لا ينبغي أن نخدع أنفسنا، ففانس لا يحمل أي قناعة حقيقية. ففي مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية، كان من أشد خصوم ترامب، تمامًا مثل وزير الخارجية ماركو روبيو. وقد نعته الرجلان بكل الأوصاف الممكنة، قبل أن يتحولا إلى داعمين متحمسين له، إلى حد الدفاع عن ما لا يمكن الدفاع عنه، حتى عندما تعلق الأمر بخوض حرب في إيران، بينما كان جميع الجنرالات يقولون إن ذلك سيكون كارثيًا.
و هو فانس نفسه الذي يساند ترامب في حملته ضد الكرسي الرسولي. فقد طالب البابا ليون علنًا بأن يهتم بالأرامل والأيتام، وأن يشتغل بالشأن الاجتماعي، وأن يترك السياسة لمن يعرفها: أي الرئيس الأمريكي. وكأن ترامب فعلًا يُحسن إدارتها. فما يقوم به البابا اليوم هو ذاته ما قام به أسلافه: فرنسيس، وبندكتوس السادس عشر، ويوحنا بولس الثاني. فهذه هي جوهر هذه المؤسسة: إضاءة الطريق أمام الناس وأمام العالم. والإنسانية في أمسّ الحاجة إلى هذا النور في هذه المرحلة.
غير أن هذا النور لا يتشربه إلا المسيحيون الصالحون، وليس ترامب. ليس ذلك الرئيس الذي كان سيُدان على الأرجح بالسجن النافذ، لولا أن عودته إلى البيت الأبيض أنقذته في اللحظة الأخيرة. ولم ينس أحد قصصه الفاضحة مع نجمة أفلام إباحية، ولا مخالفاته الضريبية. وهذا هو الرجل الذي يدّعي أنه يواجه الفضيلة مجسدة في شخص البابا ليون الرابع عشر. لكن ترامب يفضّل الإصغاء إلى رجال دين يهمسون في أذنه بأنه مكلّف بتدمير دول.
تحذير شديد اللهجة من عالم سياسة فرنسي بارز
إن ما قاله البابا للرئيس الأمريكي هو نفسه ما عبّر عنه عالم السياسة الفرنسي البارز برونو ترتريه على منصة برنامج «سي دان لاغ» على قناة France 5، حين قال: “ما حدث اليوم استثنائي. أولًا لأن دونالد ترامب وجد نفسه، للمرة الأولى منذ وقت طويل جدًا، مضطرًا إلى التراجع. وترامب لا يتراجع أبدًا. ثانيًا، يجب أن ترتكب أمرًا كبيرًا حتى تخسر جورجيا ميلوني عندما تكون… عندما تكون الإدارة الأمريكية الحالية”.
و أضاف: “ولماذا كل هذا؟ للأسباب التي تم عرضها، لكنني سأذهب أبعد من ذلك: في عدد من الولايات الأمريكية، يشكل التصويت الكاثوليكي، وهو تصويت يميل في الغالب إلى الجمهوريين، سواء تعلق الأمر، كما يُقال في الولايات المتحدة، وأنا لا أتبنى هذه التسمية الأمريكية… بالكاثوليك البيض، أو بالكاثوليك اللاتينيين في بعض الولايات…
هناك بالفعل ولايات متأرجحة في انتخابات مجلس النواب، ويمكن لهذا الصوت أن يُحدث الفارق فيها. لذلك أعتقد أن هذا التراجع يحدث أساسًا لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية. وفي النهاية، فإن دونالد ترامب، الذي كان يعتقد أنه سيربح اختبار القوة مع النظام الإيراني، لا يربحه حتى الآن، بل إن النظام الإيراني هو الذي يتقدم، وهو أيضًا بصدد خسارة اختبار قوة آخر أكثر هدوءًا وأقل ضجيجًا، وهو اختبار القوة مع البابا.
و كما تعلمون، فإن الباباوات قادرون على تغيير العالم. ففي نهاية السنوات… كان البابا يوحنا بولس الثاني صاحب تأثير كبير في تشجيع البولنديين على تحدي النظام الشيوعي. وأعتقد أن يوحنا بولس الثاني لم يكن بعيدًا عن المسار الذي قاد إلى انفتاح الاتحاد. ولذلك فإن ما يجري الآن بالغ الأهمية، لأنه حتى إن لم يفعل ذلك بشكل علني، فإن البابا ليون الرابع عشر بصدد أن يصبح ربما الخصم العالمي الأكبر الوحيد لدونالد ترامب”.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية