لم تعد أوكرانيا ترغب في أن تُختزل صورتها في بلد يعيش تحت وطأة الحرب ومنشغل فقط ببقائه. فهي تسعى اليوم إلى فرض نفسها كفاعل قادر على التأثير في موازين الأمن خارج حدودها. ويتجلى هذا التموضع الجديد في ردّ فعلها على فكّ الحصار عن مضيق هرمز، وفي شراكاتها الجديدة مع عدد من دول الشرق الأوسط، وتقاربها مع سوريا، فضلًا عن التطور السريع لقدراتها التكنولوجية في ساحة المعركة.
هرمز: بالنسبة إلى كييف، السلام لا يصمد إلا إذا استند إلى القوة
رحّبت أوكرانيا بالاتفاق الذي أفضى إلى فكّ الحصار عن مضيق هرمز، وبوقف إطلاق النار الذي رافقه، وكذلك بجهود الوساطة التي قادتها باكستان. وترى كييف أن هذا التطور يؤكد فكرة بسيطة: سياسة “السلام عبر القوة” يمكن أن تحقق نتائج ملموسة.
وهذا هو المنطق ذاته الذي تريد أوكرانيا تطبيقه على روسيا. فهي تعتبر أن الوقت قد حان لاعتماد نفس الحزم تجاه الكرملين لإجباره على وقف إطلاق النار ووضع حد للحرب. ووفق هذا التصور، لا يمكن للدبلوماسية أن تنجح بمفردها، بل يجب أن تستند إلى أدوات ضغط فعّالة بما يكفي لردع موسكو عن مواصلة عدوانها.
وبالنسبة إلى كييف، فإن ضغطًا مشتركًا من المجتمع الدولي، إلى جانب موقف حازم من قادة العالم الديمقراطي، هو وحده الكفيل بتغيير سلوك المعتدي. وتؤكد أوكرانيا سعيها إلى سلام عادل، مذكّرة بأن إنهاء العدوان الروسي شرط أساسي لأمن أوروبا، بل والعالم بأسره.
الشرق الأوسط يصبح محورًا استراتيجيًا لأوكرانيا
في الوقت نفسه، تعمّق أوكرانيا حضورها الدبلوماسي والأمني في الشرق الأوسط. فقد أبرمت اتفاقيات أمنية مع كل من المملكة العربية السعودية وقطر، كما توصلت إلى تفاهم مع الإمارات العربية المتحدة بشأن التعاون في مجالي الأمن والدفاع.
وتعكس هذه الديناميكية إرادة واضحة لتنويع شبكة الشراكات الأوكرانية، خارج التحالفات الغربية التقليدية. إذ تسعى كييف إلى توسيع هامشها الاستراتيجي، وتعزيز دعمها الدولي، والانخراط في أطر تعاون أوسع.
ويُعدّ قطاع الطاقة جزءًا من هذه الاستراتيجية، إذ يعزّز استيراد النفط من دول الخليج أمن الطاقة في أوكرانيا، ويفتح في الوقت ذاته آفاقًا لتطوير العلاقات في مجالات أخرى.
كييف تريد أيضًا الإسهام في استقرار الشرق الأوسط
تؤكد أوكرانيا استعدادها للمساهمة في استقرار الوضع الأمني في الشرق الأوسط، مستندة إلى خبرتها المكتسبة في الحروب الحديثة، لا سيما في مجال التقنيات غير المأهولة.
وتقدّم كييف نفسها اليوم كأحد القادة العالميين في تطوير واستخدام هذه التقنيات. وبفضل هذه الخبرة، تعلن استعدادها لتقاسمها وتوسيع نطاقها مع شركائها. وفي هذا السياق، لا تُنظر الاستثمارات في صناعة الدفاع الأوكرانية والمشاريع المشتركة على أنها مجرد دعم لدولة في حالة حرب، بل باعتبارها استثمارًا في الأمن العالمي.
وقد بدأت التجربة الأوكرانية تثير اهتمامًا متزايدًا في دول الخليج والشرق الأوسط، حيث تبدي كييف انفتاحها على شراكات ذات منفعة متبادلة. غير أن السلطات الأوكرانية تتهم روسيا بمحاولة تشويه هذه الشراكات العسكرية عبر تنفيذ عمليات إعلامية وتأثيرية في المنطقة.
زيارة دمشق تمثل مرحلة جديدة
في 5 أفريل، قام الرئيس فولوديمير زيلينسكي بزيارة رسمية إلى دمشق، وهي الأولى من نوعها على هذا المستوى، حيث التقى بالرئيس السوري أحمد الشراء. وناقش الجانبان الوضع الأمني في الشرق الأوسط، إلى جانب العدوان الروسي على أوكرانيا.
وترى كييف أن هذه الزيارة تعكس مزيدًا من التقارب مع سوريا، كما تعتبرها مؤشرًا على تراجع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط وتعزيز دور أوكرانيا في المنطقة.
وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تطوير التعاون مع دول الشرق الأوسط، ليس فقط في المجال الأمني، بل في قطاعات أخرى أيضًا.
مساعدات غذائية، تجارة وعودة السفارات
تشير أوكرانيا إلى أنها مدّت يد العون للشعب السوري، خصوصًا عبر إرسال شحنات غذائية عاجلة. ومنذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين العام الماضي، تضاعف حجم التبادل التجاري بينهما تسع مرات.
وخلال الزيارة الرئاسية، اتفق وزيرا الخارجية الأوكراني والسوري على إعادة تفعيل عمل السفارتين في كييف ودمشق.
كما تؤكد كييف دورها كمورّد موثوق للمواد الغذائية، معتبرة أن ذلك يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي في المنطقة. وتُقدَّم كثافة الاتصالات بين أوكرانيا وسوريا كعامل داعم للتعافي الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الأمن في منطقتي البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط.
في الجبهة… أوكرانيا تراهن بشكل متزايد على الروبوتات البرية
يتزامن هذا التموضع الدبلوماسي والإقليمي مع تسارع الابتكارات العسكرية. إذ ترفع القوات الأوكرانية من استخدام الأنظمة الروبوتية البرية في أصعب الظروف، كلما أمكن استخدامها بدلًا من الجنود.
وخلال شهر مارس وحده، نفّذت هذه الأنظمة أكثر من 9 آلاف مهمة قتالية ولوجستية على خطوط المواجهة. ومنذ بداية العام، أنجزت نحو 24,500 مهمة. ويُلاحظ تسارع واضح، إذ نفذت في مارس وحده حوالي 1,500 مهمة إضافية مقارنة بشهر جانفي.
حماية الجنود واستنزاف العدو
تؤكد أوكرانيا اعتمادها على مبدأ واضح: حماية حياة جنودها. وعلى عكس ما تصفه بـ“الهجمات البشرية الكثيفة” الروسية، تقول إنها تدفع بالروبوتات إلى أخطر المناطق.
وهكذا تتحول الجبهة الأوكرانية إلى منصة لتوسيع نطاق الابتكار. ففي نوفمبر الماضي، كانت 67 وحدة فقط تستخدم الروبوتات، بينما ارتفع العدد اليوم بنحو مئة وحدة إضافية تعتمد هذه الأنظمة.
وترى كييف أن خبرتها في استخدام الروبوتات البرية بدأت بالفعل تشكّل أساسًا لمعايير الأمن المستقبلية لدى حلف الناتو والجيوش الكبرى في العالم.
حرب تكنولوجية وحرب استنزاف
وراء هذا التطور التكنولوجي، تعتمد أوكرانيا أيضًا منطق حرب الاستنزاف، إذ تسعى إلى إلحاق خسائر بشرية أكبر بالقوات الروسية مقارنة بقدرتها على التعبئة. ووفق هذا التصور، فإن بلوغ عتبة 200 جندي روسي قتيل لكل كيلومتر مربع كفيل بجعل أي تقدم مستحيلًا.
وبذلك، لا تُعدّ الروبوتات والطائرات المسيّرة والابتكار مجرد أدوات لتعزيز الفعالية العسكرية، بل عناصر أساسية في استراتيجية تهدف إلى جعل الهجوم الروسي غير قابل للاستمرار بشريًا وعسكريًا.
أوكرانيا توسّع دورها
من اتفاق هرمز إلى الشراكات الأمنية مع دول الخليج، ومن التقارب مع دمشق إلى تصاعد استخدام الروبوتات البرية في الجبهة، تسعى أوكرانيا إلى ترسيخ صورة جديدة لنفسها: دولة لا تكتفي بالصمود، بل تسهم بفعالية في الأمنين الإقليمي والدولي.
وتريد كييف إيصال رسالة واضحة: لم تعد أوكرانيا مجرد ساحة حرب، بل أصبحت تدريجيًا فاعلًا يمتلك الخبرة، وقادرًا على التعاون وتقديم الحلول في عالم يزداد اضطرابًا.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية