اتجهت المديونية الخارجية لتونس في 2025 نحو مرحلة أكثر توازناً، بعد سنوات اتسمت بارتفاع مستمر في حجم الدين وضغط شديد على المالية العمومية والقطاع الخارجي.
وتشير الأرقام الأخيرة إلى أن البلاد بدأت تستعيد شيئاً من التماسك المالي، وهو ما يمنح الاقتصاد هامشاً أوسع للتصرف في التزاماته الخارجية، رغم أن التحسن الظاهر يحتاج إلى دعم هيكلي طويل الأمد لضمان استدامته.
انخفاض القائم واستعادة التحكم
تكشف المعطيات الاحصائية المالية أن قائم الدين الخارجي شهد ارتفاعاً من117,3 مليار دينار في 2020 إلى135,4 مليار دينار في 2023، قبل أن يتراجع إلى125,0 مليار دينار في 2025، أي بانخفاض يناهز حوالي 10,4 مليارات دينار مقارنة بذروة 2023. تعكس هذه العودة إلى مستويات أقل بداية تصحيح مهم في المسار العام للمديونية، إذ تحول الاقتصاد تدريجياً من منطق تراكم الدين إلى مسار إدارة الانحسار والتوازن.
وتوضح، في نفس السياق، الأرقام المتعلقة بنسبة الدين إلى الناتج المحلي الخام الصورة بشكل أوضح، فقد تراجعت هذه النسبة إلى 73,8 بالمائة في 2025، مقابل83,8 بالمائة في 2024، بعد أن كانت تتراوح بين 90 و98 بالمائة خلال الفترة 2020 – 2023 ليبرز هذا الانخفاض تحسن القدرة على التحمل المالي للمديونية ويعكس قدرة الاقتصاد على استيعاب الالتزامات الخارجية ضمن مستوى الإنتاج الوطني.
خدمة الدين وتراجع عبء الالتزامات
يبين انخفاض خدمة الدين الخارجي وجود مزيد من الانفراج في الضغوط المالية حيث تراجع مستواها من 14,3 مليار دينار في 2024 إلى12,4 مليار دينار في 2025، أي بتقلص قدره نحو 13 بالمائة. كما انخفض وزن خدمة الدين إلى 7,4 بالمائة من الناتج المحلي الخام مقابل 9,0 بالمائة في 2024، وإلى19,5 بالمائة من عائدات التصدير مقابل23 بالمائة سابقاً.
ويخفف هذا التراجع الضغوط المباشرة على ميزان المدفوعات بما يتيح للسلطات المالية مساحة أكبر لإدارة احتياطي النقد الاجنبي، وذلك بالتوازي مع توفير الموارد اللازمة للتمويل الاستثماري وتعزيز النمو، وهو ما يعكس بداية انتعاش نسبي في التماسك المالي للبلاد.
رغم التحسن في الحجم، فإن هيكلة الدين تثير تحديات جديدة باعتبار ارتفاع حصة الدين قصير الأجل من 28,4 بالمائة في 2020 إلى 41,9 بالمائة في 2025، وهو أعلى مستوى خلال الفترة المعنية، مما يزيد من حساسية الاقتصاد تجاه تقلبات الأسواق وارتفاع معدلات الفائدة.
كما ارتفعت القروض التجارية لتشكل27,7 بالمائة من إجمالي الدين الخارجي في 2025 مقابل10 بالمائة في 2018. وتشير هذه الوضعية إلى اعتماد أكبر على التمويل المرتبط بالنشاط التجاري، بما يعرض البلاد لتقلبات في شروط السوق ويجعل إدارة السيولة الخارجية أكثر أهمية.
في هذا الاطار، يصبح التحدي الرئيسي ليس فقط في حجم الدين، بل في جودة هيكلته ومدة آجاله، وهو ما يتطلب تبني استراتيجيات تهدف إلى تمديد آجال الدين وتنويع مصادر التمويل لتقليل المخاطر المرتبطة بالاستحقاقات القصيرة والفجوات في السيولة.
إشارات إيجابية مع فرصة لإعادة التموقع
يعطي التحسن في مؤشرات الدين في 2025 إشارات قوية للأسواق والمستثمرين حول قدرة تونس على التحكم في التزاماتها الخارجية فهو لا يعكس مجرد انخفاض عددي في حجم الدين، لكنه يعبر عن بداية استعادة التوازن المالي والمرونة الاقتصادية.
في المقابل، يفرض ارتفاع الدين قصير الأجل والقروض التجارية يقظة مستمرة من سلطات الاشراف المالية، لضمان عدم تحول هذا التحسن إلى تحد نسبي يحجب الحاجة عن إعادة هيكلة استراتيجية للدين، بما يشمل تمديد آجال السداد، وتنويع مصادر التمويل، وتعزيز القدرات التصديرية التي تولد موارد بالعملة الاجنبية.
يمكن القول إن سنة 2025 لم تكن مجرد سنة تراجع في حجم الدين، بل بداية إعادة تموقع مالي واستراتيجي فالاقتصاد أصبح أقل ضغطاً من حيث مستويات الدين ونسبة خدمته، وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية القصيرة الأجل.
وفي الوقت نفسه، توضح الأرقام أن المدى الطويل لا يزال يحتاج إلى إدارة دقيقة، لضمان تطور التحسن الحالي إلى استدامة فعلية في الملاءة المالية والقدرة على التمويل الذاتي ذلك ان الدروس المستخلصة تشير إلى أن البلاد في طريقها لتصبح أقل مديونية من حيث الحجم وأكثر استعداداً للتعامل مع تحديات السيولة والأسواق العالمية، شرط الاستمرار في استراتيجيات تحسين جودة الدين وتعزيز المصادر الداخلية للتمويل.
بهذا المنظور، يمكن تقييم 2025 كعام البداية نحو تحقيق توازن بين خفض الضغط الخارجي وبناء اقتصاد أكثر صلابة ومرونة، مما يشكل خطوة إيجابية مهمة في تاريخ السياسة المالية التونسية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية