تؤكد المكانة التي تحتلها تونس ضمن قائمة أكبر الدول العربية في مجال الصادرات غير النفطية أن الاقتصاد الوطني لا يزال يمتلك قاعدة إنتاجية وصناعية قادرة على الصمود والمنافسة، رغم ضيق الهوامش المالية والضغوط الخارجية وتباطؤ الاستثمار فبلوغ تونس المرتبة السادسة عربياً بصادرات غير نفطية تناهز 17 مليار دولار في 2025 لا يمثل مجرد إنجاز ترتيبي، بل يعكس حقيقة أعمق وهي ان البلاد تملك بالفعل نواة اقتصاد تصديري حقيقي، لكن هذه النواة لم تتحول بعد إلى رافعة كلية كبرى للنمو والتشغيل والسيادة الاقتصادية.
في الظاهر، يبدو الرقم مشجعاً، خاصة حين يوضع في سياق إقليمي تهيمن عليه اقتصادات ضخمة مثل السعودية والإمارات ومصر والمغرب ولكن في العمق، لا يكفي موقع متقدم في التصنيف إذا بقيت بنية الصادرات نفسها شديدة التركّز قطاعياً وجغرافياً، وإذا ظلت مساهمتها في تصحيح الاختلالات الكبرى للاقتصاد الكلي محدودة ذلك أن سؤال الصادرات في تونس لم يعد يتعلق فقط بـ”كم نُصدر؟”، بل أصبح يتعلق أكثر بـ”ماذا نُصدر؟ وإلى أين؟ وبأي قيمة مضافة؟”.
التصدير في تونس: ركيزة إنتاجية
الاقتصاد التونسي ليس اقتصاداً نفطياً، ولا يملك رفاهية تمويل عجزه الخارجي من ريع المواد الأولية لذلك، فإن الصادرات بالنسبة لتونس ليست خياراً تكميلياً، بل ضرورة هيكلية فهي تمثل أحد أهم مصادر العملة الاجنبية، وتلعب دوراً مباشراً في تمويل الواردات، ودعم استقرار الدينار، وتخفيف الضغط على ميزان المدفوعات، فضلاً عن كونها محركاً أساسياً للنشاط الصناعي وللتشغيل في عدد من الأقاليم والمناطق الصناعية.
ومن هذه الزاوية، تبدو أهمية الصادرات في الاقتصاد الكلي مضاعفة فكل تحسن مستدام في الأداء التصديري ينعكس، ولو تدريجياً، على النمو، والاستثمار، والقدرة على امتصاص الصدمات الخارجية وكل تعثر في التصدير يتحول سريعاً إلى ضغط على الاحتياطي من العملة، وعلى كلفة التمويل، وعلى عجز الميزان التجاري.
غير أن الإشكال التونسي يكمن في أن قاعدة التصدير، رغم صلابتها النسبية، لا تزال محكومة بنمط اندماج خارجي محدود نسبياً، يقوم في جزء مهم منه على منطق “المناولة الصناعية” المرتبطة بسلاسل القيمة الأوروبية، أكثر مما يقوم على منطق التموقع التجاري المستقل في أسواق متنوعة وعالية النمو.
الصناعة الميكانيكية والكهربائية: قوة تونس التصديرية
تعتمد تونس بشكل كبير على الصناعات المعملية، وعلى رأسها الصناعات الميكانيكية والكهربائية، التي تمثل اليوم القلب النابض للآلة التصديرية الوطنية. ومنح هذا القطاع تونس خلال السنوات الأخيرة قدرة معتبرة على الحفاظ على حضورها في الأسواق الخارجية، خاصة الأوروبية، بفضل تموقعها في مكونات السيارات، والكابلات، والتجهيزات الكهربائية، وبعض الأنشطة ذات الصلة بالتصنيع الوسيط.
وتفيد البيانات الرسمية بأن صادرات تونس الإجمالية بلغت 63.7 مليار دينار خلال سنة 2025، مقابل 62.1 مليار دينار في 2024، أي بزيادة سنوية قدرها 2.6%، في حين ارتفعت الواردات إلى 85.5 مليار دينار، ما عمّق العجز التجاري إلى 21.8 مليار دينار وخفّض نسبة التغطية إلى 74.5%
هذه الأرقام تبرز مفارقة أساسية في الاقتصاد الوطني تتمثل في وجود جهاز تصديري يعمل وينتج ويبيع، لكنه لا يزال عاجزاً عن قلب المعادلة التجارية لصالح البلاد والسبب أن جزءاً من هذا التصدير نفسه يعتمد على واردات مكثفة من المواد الأولية والمكونات والتجهيزات، بما يجعل الأثر الصافي على الميزان التجاري أقل مما توحي به الأرقام الخام.
بمعنى آخر، ليست كل زيادة في الصادرات مرادفاً مباشراً لتحسن نوعي في الوضع الخارجي، إذا لم تكن مصحوبة بارتفاع في نسبة الإدماج المحلي والقيمة المضافة الوطنية.
المشكلة ليست في ضعف التصدير فقط… بل في تركّزه
أكبر نقطة ضعف في الهيكل التصديري التونسي لا تكمن فقط في حجمه، بل في تمركزه الشديد فجزء كبير من صادرات تونس يتجه إلى أوروبا، وهو ما جعل الاقتصاد الوطني مرتبطاً عضوياً بالدورة الاقتصادية الأوروبية. وبالتالي فان تباطؤ الطلب هناك ينعكس هنا، وارتفاع المنافسة هناك يضغط على الهوامش هنا، وأي تغير تنظيمي أو لوجستي أو جيوسياسي في الفضاء الأوروبي يتحول مباشرة إلى عامل هشاشة للصناعة التونسية.
منح هذا الارتباط تونس طوال عقود ميزة القرب الجغرافي والاندماج السلس مع السوق الأوروبية، لكنه خلق في المقابل نوعاً من “الراحة الاستراتيجية” التي أخّرت التوسع الجاد نحو أسواق بديلة وبذلك، أصبحت تونس قوية داخل فضاء واحد، لكنها أقل انتشاراً خارج هذا الفضاء.
في اقتصاد عالمي يتجه أكثر فأكثر نحو إعادة رسم سلاسل التوريد، وظهور أقطاب طلب جديدة في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، فإن الاستمرار في نفس الخريطة التجارية لم يعد خياراً آمناً بحكم ان التبعية التصديرية لسوق واحدة قد تكون مربحة في الأوقات العادية، لكنها تصبح مكلفة جداً في أوقات الأزمات.
نحو أولويات فعلية
إذا كانت أوروبا هي السوق الطبيعية لتونس تاريخياً، فإن إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا “مينا” تمثلان اليوم المجال الطبيعي التالي لتوسع الصادرات التونسية ليس لأن ذلك شعار دبلوماسي جذاب فقط، بل لأن منطق السوق نفسه يدفع في هذا الاتجاه.
إفريقيا توفر أسواقاً سريعة النمو في مجالات الصناعات الغذائية، والدواء، ومواد البناء، والخدمات الرقمية، والتعليم، والخبرة التقنية، وهي كلها قطاعات تملك تونس فيها فرصاً واقعية. أما فضاء “مينا”، فيمنح تونس إمكانية التموضع في أسواق قريبة ثقافياً ولوجستياً، وبحاجات صناعية وخدمية قابلة للاستهداف.
المشكلة أن التوجه نحو هذه الأسواق ظل حتى الآن أبطأ من المطلوب، وغالباً ما بقي في مستوى المبادرات المتفرقة، لا في مستوى استراتيجية دولة فتنويع الوجهات لا يتم فقط عبر بعثات أعمال أو مشاركات ظرفية في المعارض، ولكنه يحتاج إلى بنية تصدير متكاملة تهم التمويل، والتأمين، واللوجستيك، وخطوط نقل، والتمثيل التجاري، واتفاقيات النفاذ، والمرافقة مؤسساتية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ومن دون ذلك، سيبقى الحديث عن “الانفتاح على إفريقيا” أقرب إلى الإمكان النظري منه إلى التحول التجاري الفعلي.
ما الذي يجب أن تُصدره تونس غداً؟
المعركة الحقيقية لتونس ليست فقط في توسيع عدد الأسواق، ولكنها تمتد الى رفع جودة ما تُصدره ذلك ان الرهان لم يعد على مضاعفة الكميات فقط، بل على الصعود في سلّم القيمة. وهذا يعني الانتقال التدريجي من تصدير المكونات والمنتجات الوسيطة منخفضة الهوامش، إلى تصدير منتجات وخدمات أكثر تعقيداً وربحية.
هنا تبرز ثلاثة محاور حاسمة. أولها، تعميق التصنيع المحلي في القطاعات التي أثبتت تونس فيها قدرة تنافسية، خاصة الصناعات الميكانيكية والكهربائية، والصناعات الدوائية، وبعض الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الأخضر. وثانيها، إعادة تأهيل الصناعات التقليدية الموجهة للتصدير، مثل النسيج والصناعات الغذائية، ليس عبر المنافسة السعرية فقط، بل عبر العلامة والجودة والامتثال للمعايير الجديدة، خصوصاً البيئية والرقمية.
ثالثها، وهو الأهم ربما على المدى المتوسط، وهو يهم بناء صادرات خدمات ذات قيمة مضافة أعلى، تشمل تكنولوجيا المعلومات، والهندسة، والخدمات الصحية، والتعليم، والخدمات المهنية العابرة للحدود فهذه المجالات أقل استهلاكاً للواردات، وأعلى أثراً على التشغيل المؤهل، وأكثر قدرة على خلق احتياطي من العملة الاجنبية خارج المنطق الصناعي التقليدي.
من رتبة مشرفة إلى استراتيجية وطنية
المرتبة السادسة عربياً في الصادرات غير النفطية ليست رقماً صغيراً بالنسبة إلى اقتصاد بحجم تونس لكنها أيضاً ليست سقفاً يُحتفى به بقدر ما هي نقطة انطلاق يجب البناء عليها فاقتصاد صغير ومنفتح مثل الاقتصاد التونسي لا يمكنه أن ينمو بثبات من دون قفزة تصديرية جديدة، أكثر تنوعاً وأكثر ذكاءً وأكثر استقلالاً عن سوق واحدة وقطاع واحد.
والمطلوب اليوم ليس فقط الحفاظ على القدرة التصديرية الحالية، ولكن إعادة تعريفها أي الانتقال من تصدير قائم على الصمود إلى تصدير قائم على التوسع. ومن نجاح صناعي قطاعي إلى رؤية كلية تجعل من التصدير محركاً للنمو، وللاستثمار، ولتوازنات الاقتصاد الكلي باعتبار أن مستقبل تونس الاقتصادي لن يُحسم فقط في مستوى الاستهلاك الداخلي أو التوازنات المالية العمومية، ولكن أيضاً وربما أساساً في قدرتها على بيع أكثر، وفي أسواق أكثر، وبقيمة أعلى.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية