آخر الأخبار

الصحراء الخضراء في تونس: فرصة نمو أم كلفة مائية مؤجلة؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تتقدم الزراعة الصحراوية في شمال إفريقيا بسرعة لافتة، مدفوعة بحاجات الأمن الغذائي، وضغوط التوريد، ورغبة الدول في توسيع رقعتها الإنتاجية خارج المناطق التقليدية.

وفي هذا السياق، تبدو الصحراء بالنسبة إلى تونس فضاءً واعدًا، ليس فقط من زاوية التوسع الزراعي، بل أيضًا كاختبار حقيقي لقدرة السياسات العمومية على تحويل مورد مائي نادر إلى قيمة اقتصادية مستدامة. غير أن هذا الرهان لا يمكن قراءته بمنطق التوسع الأفقي وحده، لأن ما يغذي هذه المساحات الخضراء في العمق ليس وفرة طبيعية متجددة، بل مخزون مائي جوفي شديد الحساسية.

ثروة مائية كامنة لكن محدودة زمنيًا

تعتمد الزراعة الصحراوية أساسًا على المياه الجوفية العميقة المرتبطة بالنظام المائي للصحراء الشمالية، وهو أحد أكبر الأحواض الجوفية العابرة للحدود في المنطقة. وتُقدّر احتياطياته بنحو 60 ألف مليار متر مكعب من المياه، موزعة على مساحة تتجاوز مليون كيلومتر مربع، تشمل نحو 700 ألف كيلومتر مربع في الجزائر، وحوالي 250 ألف كيلومتر مربع في ليبيا، ونحو 80 ألف كيلومتر مربع في تونس. تعكس هذه الأرقام وزنًا جيولوجيًا واستراتيجيًا مهمًا، لكنها لا تعني أن المورد قابل للاستغلال المفتوح، لأن الجزء الأكبر منه ينتمي إلى ما يُعرف بالمياه الأحفورية، أي المياه التي تراكمت خلال فترات مناخية قديمة ولا تتجدد عمليًا ضمن المدى الزمني البشري.

هنا تكمن المفارقة الأساسية ذلك ان المورد متاح من حيث الحجم، لكنه محدود من حيث الزمن الاقتصادي فالتقديرات الإقليمية تشير إلى أن السحوبات السنوية من هذا النظام ارتفعت من نحو 600 مليون متر مكعب في سبعينيات القرن الماضي إلى حوالي 2.5 مليار متر مكعب حاليًا، في حين لا تتجاوز التغذية الطبيعية السنوية حدود 1.4 مليار متر مكعب. والفارق بين الرقمين لا يمثل خللا تقنيا فحسب، لكنه يعكس ضغطًا بنيويًا متصاعدًا على أحد أهم الأصول المائية في المنطقة.

من التوسع الزراعي إلى معادلة المردودية

يتمثل التحول الأبرز خلال العقدين الأخيرين في التوسع السريع للمساحات المروية داخل الفضاء الصحراوي. فقد ارتفعت هذه المساحات من حوالي 250 ألف هكتار سنة 2000 إلى نحو 432 ألف هكتار في 2020، مع توقعات بتجاوز 500 ألف هكتار بحلول 2050 إذا استمر النسق الحالي. وبالنسبة إلى تونس، يفتح هذا التطور أفقًا مهمًا لتنمية سلاسل إنتاج جديدة ورفع مساهمة المناطق الداخلية والجنوبية في الناتج الزراعي، لكنه في المقابل يفرض مراجعة دقيقة لمنطق الاستعمال.

فالزراعة الصحراوية ليست فقط مسألة أرض قابلة للاستصلاح، بل قبل كل شيء مسألة كلفة مائية إذ يحتاج الهكتار الواحد في بعض الأنماط الزراعية الصحراوية إلى ما بين 10 آلاف و14 ألف متر مكعب من المياه سنويًا. وعندما يكون المورد غير متجدد فعليًا، فإن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بكمية الإنتاج، ولكن بقيمة الإنتاج الناتج عن كل متر مكعب مستعمل.

من هذا المنظور، تصبح الجدوى الاقتصادية للمحاصيل عنصرًا حاسمًا بحكم عدم اقتصار المعادلة الرابحة على الزراعة في أكبر مساحة ممكنة، بقدر تمحورها حول توجيه المياه نحو الأنشطة الزراعية ذات المردودية المرتفعة والقيمة المضافة العالية، سواء من حيث السعر أو من حيث قابلية التثمين الصناعي والتصديري. وكلما ارتبطت الزراعة الصحراوية بمحاصيل ضعيفة القيمة، ارتفعت مخاطر تحويل مورد استراتيجي نادر إلى مكاسب قصيرة الأجل محدودة الأثر.

تونس أمام فرصة لإعادة تعريف سياستها المائية

لا يكمن الرهان الحقيقي بالنسبة لتونس في استنساخ نماذج الجوار أو مجاراة سباق التوسع الزراعي في الصحراء، فهو يتخطاه نحو بناء نموذج أكثر توازنًا بين الأمن الغذائي، والربحية الاقتصادية، وحماية الرصيد المائي وهو ما يقتضي الانتقال من منطق الاستغلال إلى منطق الحوكمة.

في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى إعادة ضبط العلاقة بين السياسات الزراعية والسياسات المائية، عبر توسيع الاعتماد على الري الذكي، والزراعة الدقيقة، وإعادة استخدام المياه المعالجة حيثما أمكن، مع توجيه الاستثمار العمومي والخاص نحو سلاسل إنتاج أقل استهلاكًا للمياه وأكثر قدرة على خلق القيمة والتشغيل. كما أن الطابع العابر للحدود لهذا المخزون المائي يجعل من التعاون بين تونس والجزائر وليبيا بعدًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن البعد التقني، خصوصًا في ما يتعلق بآليات المتابعة وتقاسم الضغوط على المورد.

عموما، لا تمثل الزراعة الصحراوية في تونس خيارا تنمويا إضافيا فحسب، ولكنها تشكل ملفًا سياديًا يتقاطع فيه الغذاء بالماء، والاستثمار بالاستدامة، والطموح الاقتصادي بحسابات الندرة وما يحدد نجاح هذا المسار يفوق بكثير القدرة على تخضير الصحراء بصريًا، ليشمل امكانية تحويل كل قطرة ماء إلى مشروع قابل للحياة على المدى الطويل.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا