في ظرف دولي تتسع فيه بؤر التوتر وتضيق فيه هوامش اليقين، انتقلت ادارة الملف الطاقي في تونس من مجرد التصرف في معادلة إنتاج واستهلاك، إلى اختبار حاسم لقدرة الاقتصاد الوطني على مقاومة الصدمات الخارجية، وتخفيف أعباء العجز، وترسيخ سيادته عبر التحكم في فاتورة التوريد وادارة تقلبات الأسواق العالمية .
ولم تعد الطاقة في تونس بذلك ملفاً قطاعياً يُدار بمنطق التوازنات الفنية أو الحسابات الظرفية، بل أضحت واحدة من أكثر العقد التصاقاً بمستقبل الاقتصاد الوطني وتماسكه فحين ترتفع أسعار النفط، أو تضطرب مسارات الإمداد، أو تتسع رقعة المخاطر الجيوسياسية، لا يتوقف الأثر عند حدود المحروقات أو الكهرباء، لكنه يتسلل سريعاً إلى الأسعار، والمالية العمومية، والميزان التجاري، وثقة المستثمرين، وكلفة النمو نفسها .
ومن هذه الزاوية تحديداً، تفرض التوترات الإقليمية والدولية الراهنة على تونس مواجهة سؤال لم يعد قابلاً للتأجيل: إلى أي مدى يمكن لاقتصاد يعاني أصلاً من هشاشة هيكلية في منظومته الطاقية أن يواصل التكيف مع عالم تزداد فيه كلفة التبعية وتضيق فيه هوامش الحماية؟
هشاشة متراكمة تكشفها الأزمات
لا يمكن في الواقع اختزال الظرف الطاقي الذي تعيشه تونس اليوم في انعكاسات حرب أو أزمة عابرة، لأن جذور الإشكال أعمق من ذلك بكثير، فقد تراكم خلال السنوات الماضية اختلال واضح بين تراجع الإنتاج الوطني وارتفاع الطلب الداخلي، وهو ما أفضى إلى تقلص متواصل في نسبة الاستقلالية الطاقية، التي لم تتجاوز 35% سنة 2025، بعد أن كانت في حدود 41% قبل سنوات .
ولا يختزل هذا التراجع انخفاض قدرة البلاد على تغطية حاجاتها من مواردها الذاتية فقط، حيث يعكس انتقالاً تدريجياً من وضعية هشاشة قابلة للإدارة إلى وضعية انكشاف بنيوي أمام الخارج، ذلك انه كلما اتسعت الفجوة بين ما تنتجه تونس وما تستهلكه، أصبحت أكثر عرضة لتقلبات لا تتحكم فيها وهي تهم عدة مسائل ابرزها الأسعار الدولية المتذبذبة، وتكاليف النقل والشحن المرتفعة، والتوترات في ممرات العبور، والضغوط الإضافية على احتياطات العملة الاجنبية .
عجز الطاقة… حين تتحول الفاتورة إلى قيد اقتصادي
تتجلى هذه الهشاشة بأوضح صورها في تطور عجز ميزان الطاقة، الذي لم يعد يقتصر على عنصر ضمن اختلالات التجارة الخارجية، ولكنه تحول إلى أحد أعمدتها الرئيسية اذ ارتفع هذا العجز من 2.7 مليار دينار سنة 2016، بما يعادل 21.5% من العجز التجاري، إلى 11.1 مليار دينار بنهاية سنة 2025، أي ما يمثل 51.1% من إجمالي العجز التجاري .
هذا التطور لا يعكس تضخماً في الواردات فحسب، حيث يعبّر فعليا عن تحوّل الطاقة إلى نقطة استنزاف ثقيلة للاقتصاد برمته بحكم ان كل دينار إضافي يُنفق على التوريد الطاقي هو ضغط إضافي على الميزان الخارجي، واستنزاف للعملة الأجنبية، وتوسيع لهامش الارتهان للأسواق الدولية. وفي المقابل، لا تقف التداعيات عند هذا الحد، حيث تمتد إلى المالية العمومية عبر كلفة الدعم أو عبر الأعباء غير المباشرة الناتجة عن ارتفاع كلفة الإنتاج والنقل والخدمات، بما يعمق بدوره الضغوط التضخمية ويضعف تنافسية النسيج الاقتصادي .
التوترات الجيوسياسية وضيق هوامش المناورة
تزداد دقة هذا الوضع في سياق دولي باتت فيه الطاقة أكثر ارتباطاً بالجغرافيا السياسية من أي وقت مضى باعتبار ان الاسواق لا يقتصر تحركها على منطق العرض والطلب، فهي أصبحت تتأثر أيضاً بموازين الردع، وبسلامة الممرات البحرية، وبالتجاذبات الإقليمية، وبحسابات القوى الكبرى. وفي مثل هذا السياق، تصبح البلدان المستوردة للطاقة، ومنها تونس، في وضعية انتظار مكلفة، لأن أي توتر بعيد جغرافياً قد يتحول بسرعة إلى فاتورة داخلية مرتفعة .
انتقال طاقي بطيء
رغم وضوح التحدي، ما يزال الانتقال الطاقي في تونس يسير بوتيرة أبطأ من إيقاع الضغوط التي يفرضها الواقع في ظل وضع البلاد منذ سنوات هدفاً يتمثل في بلوغ 35% من إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة بحلول 2030، غير أن الحصيلة الحالية لا تزال في حدود 6% .
لا تعني هذه الفجوة تأخر الإنجاز فقط حيث تعني كذلك أن الاقتصاد الوطني يواصل دفع كلفة نموذج طاقي لم يعد قابلاً للاستدامة فالإشكال لم يعد في غياب الموارد الطبيعية، إذ تمتلك تونس إمكانات معتبرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بل في البيئة التنظيمية والمؤسساتية التي ما تزال دون مستوى الرهان .
كما ان بطء الإجراءات الإدارية، وتعقيد منظومة التراخيص، وتعدد المتدخلين، ومحدودية جاهزية الشبكة الوطنية للكهرباء، كلها عوامل تفسر لماذا بقيت القدرة المركبة في حدود 950 ميغاواط فقط، رغم أن الطاقات المتجددة استحوذت على نحو 28% من الاستثمارات المصرح بها خلال 2025.
ما الذي ينبغي أن يتغير؟
على هذا الاساس يتعدى الرهان اليوم إضافة قدرات إنتاج جديدة، في اطار شامل يقتضي مراجعة أوسع لطريقة تصور الدولة لمستقبلها الطاقي بحكم ان الأولوية تخطت مسالة إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، الى بناء منظومة أكثر مرونة ونجاعة، قادرة على تقليص الهدر، ورفع الكفاءة، وتحسين إدارة الطلب، وتوسيع استخدام الكهرباء في قطاعات مثل النقل والصناعة .
كما أن المستقبل الطاقي لتونس لن يُبنى بالاقتصار على الشمس والرياح، رغم مركزيتهما، فهو يتطلب أيضاً التحضير منذ الآن لرهانات أكثر تعقيداً، من قبيل الهيدروجين الأخضر، والوقود الحيوي، والتقاط الكربون، خاصة في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها أو كهربتها بالكامل .
لكن كل هذه المسارات ستظل رهينة شروط أولية لا غنى عنها وهي تتمحور بالخصوص حول تحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط المسارات الإدارية، وتسريع اتخاذ القرار، وتحديث البنية التحتية للشبكة فبدون هذه الشروط، ستظل الأهداف الاستراتيجية معلقة بين وفرة الإمكانات وعجز التنفيذ .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية