للوهلة الأولى، تبدو السوق العالمية للغاز وكأنها تعيش مفارقة واضحة. فالعرض يبدو وفيراً، والمخزونات في أبرز المناطق المستهلكة تبدو مريحة نسبياً، ومع ذلك تظل الأسعار متقلبة ومرتفعة بشكل هيكلي.
هذه المفارقة الظاهرية تكشف واقعاً أعمق: فسعر الغاز الطبيعي لم يعد يتحدد فقط وفق التوازن بين العرض والطلب، بل أصبح يتأثر بشكل متزايد بإدراك المخاطر، وبالقيود المرتبطة بالبنية التحتية، وبالديناميكيات المالية.
سوق عالمية نظرياً… وإقليمية عملياً
على خلاف النفط، لم يصبح الغاز الطبيعي بعد سلعة معولمة بالكامل. فعملية نقله تعتمد على بنى تحتية ثقيلة، مثل خطوط الأنابيب ومحطات الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يفرض قدراً كبيراً من الجمود.
لذلك، تظل الاختلالات الإقليمية هي العامل المهيمن في آليات تحديد الأسعار. فقد تكون الولايات المتحدة في وضعية وفرة، في حين تواجه أوروبا أو آسيا ضغوطاً ناتجة عن قيود لوجستية أو عن اعتماد كبير على الواردات.
الوحدة الهامشية هي التي تحدد السعر
في أسواق الطاقة، لا يتحدد السعر على أساس الكلفة المتوسطة، بل وفق الوحدة الهامشية اللازمة لتحقيق التوازن في السوق. واليوم، تكون هذه الوحدة الهامشية في كثير من الأحيان هي الغاز الطبيعي المسال، الذي تظل كلفته أعلى من الغاز المنقول عبر الأنابيب.
لذلك، حتى لو كان هناك غاز أرخص متاح في مناطق أخرى، فإن المناطق المعتمدة على الغاز الطبيعي المسال تجد نفسها أمام أسعار مرتبطة بهذا المصدر الأعلى كلفة.
الجيوسياسة: علاوة مخاطر دائمة
تفرض التوترات الجيوسياسية علاوة مخاطر تتجاوز المعطيات المادية الأساسية للسوق. فالأسواق تتفاعل مع المخاطر المحتملة بقدر تفاعلها مع الاضطرابات الفعلية.
و حتى من دون حدوث انقطاع في الإمدادات، فإن مجرد توقع وقوع صدمة يدفع الفاعلين إلى تأمين كميات إضافية، ما يخلق طلباً مصطنعاً.
التخزين كأداة استراتيجية
أصبح تخزين الغاز ورقة استراتيجية بامتياز. فالدول تعمل على ملء احتياطاتها بشكل استباقي، وهو ما يدعم الأسعار حتى في حالات وفرة العرض.
الطابع المالي المتزايد لسوق الغاز
أصبحت الأسواق المالية تؤدي دوراً متنامياً في تحديد أسعار الغاز. فقد تتفاعل الأسعار بشكل فوري مع الإعلانات أو الأحداث الجيوسياسية، بصرف النظر عن التدفقات المادية الفعلية.
قيود البنية التحتية
إن توافر الغاز على المستوى العالمي لا يعني بالضرورة سهولة الوصول إليه محلياً. فمحدودية قدرات محطات الغاز الطبيعي المسال وخطوط الأنابيب تخلق اختناقات فعلية.
و بالتالي، فإن العرض المتاح لا يعني بالضرورة عرضاً قابلاً للتسليم.
الغاز كمحدد لسعر الكهرباء
في العديد من الأسواق، يحدد الغاز السعر الهامشي للكهرباء. وبالتالي، فإن أي ارتفاع في أسعار الغاز ينعكس مباشرة على أسعار الكهرباء.
و هكذا، فإن استمرار ارتفاع أسعار الغاز، رغم وجود فائض ظاهري في العرض، يعكس تحولاً هيكلياً في هذا السوق. فقد أصبح الغاز اليوم سوقاً تحكمه المخاطر بقدر ما تحكمه الكميات المادية.
عماد الدرويش
خبير في الطاقة والهيدروجين والتحول الرقمي
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية