سلسلة من الإخفاقات، هي نفسها نتيجة مباشرة لغياب الاستعداد الجدي للحرب، وللاستخفاف بخصم كان يهيئ منذ قيام الجمهورية الإسلامية سنة 1979 لمواجهة مباشرة مع أمريكا.
فالرئيس دونالد ترامب، حتى قبل أن يدخل فعليا في المواجهة مع إيران، كان يعلن أنه سيحتاج ما بين 4 و 6 أسابيع فقط لوضع حد لسلطة الملالي.
قال ذلك قبل أن يكتشف حجم قدرة خصمه على الإضرار و قبل أن يدرك أنه دخل مستنقعا من طراز فيتنام، وأن المهلة التي حددها لن تكفيه لبلوغ الأهداف التي رسمها لنفسه.
لكن المعضلة أن ترامب لا يملك الوقت ، أو لم يعد يملكه، خلافا للحضارة التي تمتد لآلاف السنين و التي يواجهها.
فالاقتصاد الأمريكي يتململ، و الاقتصاد العالمي يعيش على وقع القلق و أنصار الرئيس الجمهوري باتوا غاضبين بشدة من كلفة حربه المتهورة و الأهم من ذلك أن الرئيس أمام انتخابات يتعين عليه الفوز بها، أو بالأحرى يبدو مرشحا لخسارتها بحسب جميع استطلاعات الرأي، في نوفمبر 2005.
و قبل أسابيع، كان جنرالاته قد اقترحوا عليه وقف النزيف، والاكتفاء بالمكاسب الهزيلة، ثم مغادرة الساحة.
لكنه رفض حينها، مقتنعا بأنه قادر على حصد كل شيء. أما الآن، فهو نفسه من يدفع في اتجاه الانسحاب على عجل.
و في هذه الحالة تحديدا ، لن يكون الأمر مجرد انسحاب، بل فرارا و تفككا و تراجعا في حالة فوضى، تماما كما بدأ هذه المغامرة التي ما كان ينبغي أن تبدأ أصلا لو تم التمسك بمسار المفاوضات التي كانت سلطنة عمان تقودها و التي كانت تؤتي ثمارها.
و قد أدركت واشنطن، متأخرة جدا، أن القصف لم يحسم يوما حربا، مع الإشارة إلى أن ترامب يرفض وصف ما يجري بـ”الحرب” و يصر على تسميته “عملية خاصة”، تماما كما تفعل روسيا في أوكرانيا منذ أكثر من أربع سنوات.
كما أدرك أن بضعة آلاف من الجنود لا يمكنهم تحرير مضيق هرمز، فضلا عن تأمينه على المدى الطويل، في ظل مئات الآلاف من المقاتلين الإيرانيين القادرين على استهدافهم من الخلف.
و قد كشفت صحيفة وول ستريت جورنال، ليل الاثنين 30 إلى الثلاثاء 31 مارس، أن البيت الأبيض سئم الوضع و يفكر بجدية في وقف العملية العسكرية الأمريكية في إيران، حتى و إن ظل مضيق هرمز مغلقا.
و كأن 20% من التجارة العالمية لم تعد تعني شيئا.
فبعد أن هدد ترامب بتدمير البنية التحتية للطاقة إذا لم تُعد طهران فتح المضيق، علما أنه كان قد قال سابقا إن ذلك ليس مشكلة أمريكا بل مشكلة الدول الأخرى، قد يختار الجمهوري في النهاية التراجع و عدم التحرك.
و نقلت الصحيفة عن مسؤولين في إدارة ترامب أن الرئيس الجمهوري و مستشاريه و من بينهم على الأرجح نائب الرئيس جاي دي فانس، يميلون بقوة إلى الاكتفاء بما حصل في إيران.
و لا بأس لديهم إن ظل مضيق هرمز مغلقا من قبل الحرس الثوري، باستثناء من يمرون لفائدة حلفائهم أو من يدفعون مقابل العبور.
فخوض معركة لإعادة حركة الملاحة سيكون محفوفا بالمخاطر و الأهم أنه سيمتد زمنيا إلى ما بعد الأسابيع الستة التي تبدو و كأنها السقف النفسي الذي يحكم تفكير ترامب.
و يتردد أن ترامب و مستشاريه قد يكتفون بتدمير و لو جزئيا، البحرية الإيرانية و مخزونات الصواريخ الإيرانية.
أما بشأن مضيق هرمز، فستحاول واشنطن انتزاع تنازلات عبر التفاوض.
و إذا تمسك الملالي بمواقفهم، فإن أمريكا ستتجه إلى حلفائها في أوروبا و الخليج لتحميلهم مسؤولية عمليات إعادة فتح الممر البحري، وهو ما كان ترامب قد صرح به علنا قبل أيام.
خبراء يحذرون من خيار “غير مسؤول”
بطبيعة الحال، يعارض معظم الخبراء هذا التوجه بشدة.
و وصفت سوزان مالوني، وهي خبيرة في الشأن الإيراني نقلت الصحيفة تصريحاتها، هذا الخيار بأنه “غير مسؤول بشكل لا يصدق”.
و قالت نائبة رئيس مؤسسة بروكينغز، وهي مركز أبحاث مقره واشنطن : “أسواق الطاقة عالمية بطبيعتها و من المستحيل حماية الولايات المتحدة من التداعيات الاقتصادية التي بدأت بالفعل في الظهور و التي ستتفاقم بشكل هائل إذا استمر إغلاق المضيق”.
من جهته، سار مارك دوبويتز، رئيس مركز الأبحاث المحافظ Foundation for Defense of Democracies و أحد أبرز خصوم الملالي، في الاتجاه نفسه.
و كتب على منصة “إكس”: “يجب أن يدرك الرئيس ترامب أن مضيق هرمز يمثل أهمية حيوية للأمن القومي و الاقتصادي للولايات المتحدة، والتفكير بخلاف ذلك سيكون خطأ كارثيا”.
أما روزماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز Defense Priorities المتخصص في السياسة الخارجية الأمريكية ، فبدت أقل حدة تجاه ترامب. إذ كتبت على منصة “إكس” : “إنه أمر مؤسف، لكنه ربما يظل أهون الشرور بين كل الخيارات السيئة”.
و أضافت : “أتفهم أنه قد يبدو غير مسؤول أن تغادر بعد أن تسببت في الفوضى… لكن الحد من الخسائر الأمريكية في حرب محكوم عليها بالفشل أكثر عقلانية من مواصلة القتال في معركة خاسرة”.
و ترى الخبيرة أن “إنهاء الحرب” يمثل “شرطا ضروريا”، وإن لم يكن “كافيا”، من أجل التفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز.
الانسحاب الأمريكي قد يفتح باب الابتزاز
في المقابل، لا يوافق المحلل الجيوسياسي أولريش بونات إطلاقا على هذا الطرح.
فهو يرى أنه إذا تراجعت أمريكا، فإن السلطات الإيرانية ستكون “مدركة تماما لقدرتها على ابتزاز المنطقة و الاقتصاد العالمي”.
و يعتبر أن التوقف في منتصف الطريق “سيكون أسوأ سيناريو ممكن للمنطقة”، و كذلك “للشعب الإيراني… لأن عملية عسكرية مرتجلة ستترك نظاما ضعيفا، لكنه سيبقى قادرا على قمع سكانه”.
غير أن بونات ، وفق هذا المنطق، يبدو متأخرا عن فهم أولويات ترامب، إذ إن تحرير الشعب الإيراني ليس من بين أولوياته الحقيقية، و قد استخدم هذه الورقة فقط لتبرير تحركه.
فما كان يريده في الواقع هو “نصر سياسي سهل”، على غرار ما كان يطمح إليه في فنزويلا، مع ما يرافق ذلك من عوائد و نفوذ، سواء في النفط أو الغاز و غيرهما. لا أكثر. لكنه لن يحصل في إيران لا على هذا النصر و لا على تلك المكاسب.
و كل ما سيجنيه، في نهاية المطاف، هو عقاب ناخبيه له في نوفمبر المقبل، ومزيد من العار لبلاده.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية