آخر الأخبار

بقلم الهادي السريب : الطلب العمومي… رافعة غير مستغلة للتحول الاقتصادي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تنفق تونس كثيرًا، لكنها تشتري قليلًا. وراء هذا التناقض الظاهر تكمن حقيقة غالبًا ما يتم تجاهلها: فكل إنفاق عمومي لا يتحول بالضرورة إلى دفع للاقتصاد.

لفهم هذه الفجوة، يجب التمييز بين الميزانية المصادق عليها والميزانية المنفذة. فالميزانية المصادق عليها تمثل وعدًا، وخطة مرسومة على الورق، قد تكون طموحة أحيانًا، لكنها لا تعكس بالضرورة ما سيتحقق فعليًا.

أما الميزانية المنفذة، فتعكس الواقع: المشاريع التي تم إطلاقها، العقود التي أُبرمت، الشركات التي تم إشراكها، وفرص العمل التي تم خلقها. في تونس، تبدو الفجوة بين النية والفعل واضحة بشكل خاص في مجال الاستثمار، الذي يتأخر بسبب الإجراءات والقيود التقنية.

في هذا الفراغ يبرز دور الطلب العمومي، الذي يشمل مجمل عمليات شراء السلع والخدمات والاستثمارات التي تقوم بها الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية. ولا يشمل هذا المفهوم الأجور ولا الدعم ولا التحويلات الاجتماعية، بل يمثل ما يُضخ فعليًا في النسيج الإنتاجي، وما يمكن أن يحفّز الابتكار والتشغيل وإحداث قطاعات جديدة.

في سنة 2025، يُقدَّر حجم الطلب العمومي في تونس بما بين 18 و20 مليار دينار (وفق تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، أي ما يعادل نحو 10 إلى 11% من الناتج الداخلي الخام، وحوالي 20% من إجمالي الإنفاق العمومي. ويتوزع هذا الحجم على ثلاثة مستويات: حيث تستحوذ الدولة المركزية على الحصة الأكبر، بما بين 7 و8 مليارات دينار للاستثمارات، و5 إلى 7 مليارات لشراء السلع والخدمات. وتضيف المؤسسات العمومية، الناشطة في قطاعات الطاقة والنقل والمياه، ما بين 3 و5 مليارات دينار. أما الجماعات المحلية، ورغم محدودية حجمها، فهي في طور النمو، وتمثل ما بين 1 و2 مليار دينار.

و هكذا، لا يمر سوى خُمس الإنفاق العمومي في تونس عبر ما يمكن تسميته بـ«تنشيط الاقتصاد». أما الباقي، فيُستهلك في الأجور والتحويلات، ما يترك هامشًا ضيقًا أمام العمل العمومي المنتج. هذه البنية، الموروثة عن سنوات من القيود، تعيق وتيرة الإقلاع الاقتصادي.

و يبرز التباين بوضوح عند المقارنة مع الاقتصادات المتقدمة. ففي أوروبا، يمثل الطلب العمومي ما بين 14 و16% من الناتج الداخلي الخام، ويصل إلى نحو 30% من الإنفاق العمومي. أما في كوريا الجنوبية أو تايوان، فيتراوح بين 14 و17% من الناتج، ويُستخدم كأداة استراتيجية لدعم الابتكار والتحول الصناعي. هناك، لا تشتري الدولة فقط لتسيير المرافق، بل تشتري أيضًا لتنظيم الاقتصاد والاستعداد للمستقبل.

في المقابل، لا تزال تونس متأخرة، حيث يعكس مستوى الطلب العمومي فيها (10 إلى 11% من الناتج) ليس نقصًا في الموارد، بل توجّهًا لا يزال محدودًا نحو الاستثمار المنتج والتحديث الصناعي.

فماذا لو تم تغيير هذا التوجه؟ ماذا لو رفعت تونس، خلال السنوات الخمس المقبلة، مستوى الطلب العمومي إلى 16 أو 18% من الناتج الداخلي الخام؟ من شأن ذلك أن يضخ ما بين 10 و14 مليار دينار إضافية في الاقتصاد الحقيقي (ولا تهم الدقة الحسابية هنا بقدر ما تهم الفكرة). وستكون الآثار مباشرة وملموسة: تحديث البنية التحتية، تسريع المشاريع الاستراتيجية (مثل إزالة الكربون وتطوير الطاقات الجديدة)، تحفيز القطاعات المحلية، وظهور صناعات جديدة. كما يمكن للرقمنة، والصناعات المتقدمة، والخدمات ذات القيمة المضافة العالية أن تجد في الطلب العمومي رافعة قوية للنمو.

و من شأن توجيه الإنفاق العمومي بهذه الطريقة أن يساهم في تحديث النسيج الاقتصادي، وإعادة تصنيع قطاعات تعتمد حاليًا على الواردات، وإعادة توطين أنشطة تم فقدانها. كما سيُحدث حلقة إيجابية، حيث يدعم الاستثمار العمومي الطلب الكلي ويحفّز خلق وظائف ذات كفاءة عالية، مع تعزيز القاعدة الصناعية الوطنية.

و لكي تصبح هذه الرؤية قابلة للتحقيق، سيكون من الضروري أيضًا تعزيز قدرات الدولة، من خلال إعادة التفكير بعمق في النظام الجبائي. فإرساء نظام أكثر كفاءة وعدالة من شأنه أن يولد موارد عمومية إضافية، تضمن تمويلًا مستدامًا لهذا الطلب العمومي الموسّع، وتكفل بلوغه نسبة 16 إلى 18% من الناتج الداخلي الخام. وهذه مسألة جوهرية، إذ لا يمكن لطلب عمومي طموح أن يعتمد فقط على التداين، بل يجب أن يستند إلى قدرة الدولة على تعبئة مواردها بشكل استراتيجي وشفاف.

غير أن الدولة لا يمكنها التحرك دون إطار استشرافي واضح. فبعد توفير الزخم الأولي، يصبح من الضروري إرساء منظومة جديدة للتخطيط الاستراتيجي على المدى المتوسط، تقوم على تحديد أولويات قطاعية واضحة، واستهداف المشاريع ذات الأثر الاقتصادي الأكبر، وتنسيق مختلف مستويات القرار العمومي. ومن شأن هذا التخطيط، إلى جانب طلب عمومي أكثر طموحًا، أن يبعث إشارة قوية إلى مجمل المنظومة الاقتصادية.

و في هذا السياق، يكتسي النظام البنكي دورًا مهمًا. فمن شأن ديناميكية الدولة أن تدفع البنوك إلى تبني منطق جديد في المواكبة: دعم رؤوس أموال المؤسسات الاستراتيجية، إطلاق خطوط تمويل موجهة، تحسين شروط الفائدة للمشاريع ذات القيمة المضافة العالية، وتمويل سلاسل الإنتاج المحلية. وهكذا، لن يظل القطاع المالي مجرد وسيط، بل سيتحول إلى فاعل منخرط في تحديث النسيج الصناعي، من خلال توفير الموارد والضمانات والأدوات اللازمة لتحويل الاقتصاد.

وبالتالي، فإن النجاح لا يعتمد على القيود أو الإجراءات التقشفية، بل على وضوح الرؤية وتعبئة منسجمة لمختلف الأدوات العمومية والخاصة. فمن خلال تركيز الجهود على التحول الصناعي، وتحديث البنية التحتية، ودعم القطاعات المحلية، وتحسين النجاعة الجبائية، وتفعيل دور النظام البنكي، يمكن للدولة أن تستعيد موقعها كمحرك لتنمية أكثر استدامة وعدالة.

تمتلك تونس المقومات اللازمة لتحقيق ذلك، ويبقى التحدي اليوم في تعبئة مواردها العمومية والمالية بشكل كامل لإعادة بناء نسيج اقتصادي ديناميكي، قادر على دعم التشغيل والابتكار والارتقاء بسلاسل القيمة المحلية.

الهادي السريب، دكتور دولة في اقتصاد التنمية

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا