هناك حروب تتجاوز ارتداداتها بسرعة خطوط المواجهة. والحرب التي تطال إيران بدأت الآن تمارس ضغطًا على ساحة أخرى أكثر هدوءًا لكنها حاسمة: الزراعة العالمية. فخلف النفط والغاز وطرق الملاحة البحرية، ترتفع أيضًا أسعار الأسمدة، في سلسلة من التأثيرات قد تصل في نهاية المطاف إلى محتوى أطباقنا.
منذ بداية العام، ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية بنسبة تتراوح بين 30% و40%، بحسب خبراء نقلت عنهم وكالات الأنباء والأسواق. وفي بعض القطاعات، تبدو الضغوط أكبر بكثير: إذ أفادت وكالة «رويترز» بأن أسعار اليوريا في الشرق الأوسط قفزت بأكثر من 40%، فيما سجلت أسواق أخرى زيادات تصل إلى 32%. وفي أوكرانيا، ارتفعت أسعار الأسمدة بالفعل بنسبة تتراوح بين 30% و35%، مع قفزة بلغت 65% لليوريا منذ يناير.
الغاز… العصب الخفي للزراعة العالمية
لفهم هذا الارتفاع، لا بد من العودة إلى الجذور الصناعية للمشكلة. فالأسمدة النيتروجينية تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي. وتذكّر الوكالة الدولية للطاقة بأن الغاز يمثل نحو 70% من إنتاج الأمونيا عالميًا، وهي المادة الأساسية للعديد من الأسمدة المعدنية. كما تشير الرابطة الدولية للأسمدة إلى أن تصنيع الأمونيا يستهلك قرابة 90% من الطاقة في هذا القطاع. وعندما ترتفع أسعار الغاز، تتبعه الأسمدة بشكل شبه تلقائي.
هذا الواقع يعيد إلى الأذهان ما حدث في عام 2022، عندما أدى ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة حادة في أسعار المنتجات الزراعية. واليوم، يخشى السوق تكرار السيناريو نفسه: طاقة أغلى، مدخلات أكثر كلفة، ثم ضغط متزايد على المزارعين، وصولًا إلى أسعار الغذاء.
هرمز… الممر الضيق الذي يثقل كاهل حقول العالم
العامل الثاني للقلق يوجد في البحر. فمضيق هرمز يظل ممرًا استراتيجيًا للطاقة العالمية، وكذلك لتجارة الأسمدة. وتشير «رويترز» إلى أن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر هذه المنطقة، التي تعبرها أيضًا قرابة 20% من تدفقات النفط والغاز عالميًا. وبعبارة أخرى، فإن أي اضطراب في هذا الممر البحري يرفع الضغط على الطاقة والنقل ومدخلات الزراعة في آن واحد.
هذه التبعية اللوجستية تجعل من كل توتر إقليمي خطرًا عالميًا. وحتى عندما يبقى التأثير المباشر محدودًا في أوروبا بفضل المخزونات السابقة، فإن استمرار النزاع وحده كافٍ لإثارة القلق. ويظل المزارعون الذين لم يؤمّنوا احتياجاتهم مسبقًا الأكثر عرضة لعودة التقلبات.
مزارعون يواجهون ضغوطًا متزايدة
بالنسبة للمنتجين الزراعيين، تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا. فتكلفة الأسمدة ترتفع، في وقت تعاني فيه الهوامش أصلًا من ضغوط في العديد من البلدان بسبب انخفاض أسعار بعض المحاصيل. وتشير «رويترز» إلى أن محللين في الولايات المتحدة يتوقعون بالفعل تحولًا في بعض المساحات نحو زراعة فول الصويا، الأقل استهلاكًا للأسمدة النيتروجينية، على حساب الذرة والقمح الربيعي. وعندما تبدأ خيارات الزراعة في التغير، فهذا يعني أن الصدمة لم تعد محصورة في الأسواق، بل وصلت إلى قرارات الميدان.
في أماكن أخرى، تتزايد مؤشرات التوتر. فقد خفّضت مصانع في الهند وبنغلاديش وماليزيا بعض الطلبات، أو قلّصت نشاطها، أو حتى فكرت في التوقف بسبب صعوبات الإمداد وارتفاع التكاليف. ويُضاف إلى ذلك قرار روسيا تعليق صادراتها من نترات الأمونيوم لمدة شهر حتى 21 أبريل 2026، بهدف إعطاء الأولوية للسوق المحلية. وفي سوق يعاني أصلًا من التوتر، فإن كل قيد إضافي يزيد من اختلال التوازن العالمي.
الخطر الحقيقي: موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء
المسألة تتجاوز بكثير قطاع المدخلات الزراعية. إذ تذكّر «رويترز» بأن نحو نصف الإنتاج الغذائي العالمي يعتمد على الأسمدة. وإذا استمرت التكاليف مرتفعة لفترة طويلة، فقد يلجأ بعض المزارعين إلى تقليل الكميات المستخدمة، أو تأجيل مشترياتهم، أو تغيير محاصيلهم، ما قد يؤثر على الإنتاجية مستقبلًا. وهنا يتحول الصدمة الزراعية إلى صدمة غذائية.
وتبقى المناطق الأكثر هشاشة، لا سيما في إفريقيا وآسيا، الأكثر عرضة لهذه التداعيات. فعندما ترتفع تكاليف الإنتاج، تكون الدول الأكثر اعتمادًا على الواردات والأضعف من حيث الميزانيات أول من يتأثر، بداية بالمزارعين ثم المستهلكين.
حرب تتسلل إلى الاقتصاد اليومي
في العمق، يكشف هذا الارتفاع عن الحجم الحقيقي لتداعيات الحرب. فالصراع لا يهدد فقط التوازنات الجيوسياسية أو أسواق الطاقة، بل يبدأ أيضًا في رفع تكلفة الإنتاج الزراعي، من الزراعة إلى التسميد، وصولًا إلى الغذاء. وهكذا تدخل الزراعة العالمية مرحلة جديدة من التوتر، حيث يتداخل الغاز واللوجستيات والجغرافيا السياسية ليضعفوا أحد أهم ركائز الأمن الغذائي.
في الوقت الراهن، تخفف أوروبا جزئيًا من الصدمة بفضل مخزونات سابقة. غير أن الإشارة التي تبعثها الأسواق واضحة: الحرب في إيران تعيد الضغط على اقتصاد الأسمدة عالميًا، وتعيد إلى الواجهة شبح ارتفاع أوسع في تكاليف الزراعة. وما يجري ليس مجرد أزمة إمدادات، بل قد يكون بداية سلسلة تضخمية جديدة، تبدأ من الغاز، وتمر عبر الحقول، وتنتهي على موائد الطعام.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية