آخر الأخبار

تونس تصوغ مستقبلها الصناعي في عالم سريع التحول

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لم يعد الحديث عن الصناعة في تونس محصورًا في توسيع المصانع أو رفع الإنتاج التقليدي، بل أصبح يتعلق بإعادة تعريف موقع البلاد داخل الاقتصاد العالمي الجديد؛ اقتصاد تتحكم فيه التكنولوجيا، وتُقاس فيه التنافسية بقدرة الدول على الاندماج في سلاسل القيمة، وتقليص البصمة الكربونية، وتحويل المعرفة إلى صادرات. في هذا السياق، تكتسب الرؤية الصناعية التونسية في أفق 2035 أهمية خاصة، باعتبارها محاولة لبناء نموذج صناعي جديد يقوم على التميز التكنولوجي والسيادة الإنتاجية والانفتاح الذكي على الأسواق الدولية.

هذه الرؤية، كما عبّرت عنها وزارة الصناعة، لا تطرح مجرد أهداف عامة، بل تنسجم مع توجهات عالمية وإقليمية تفرض على تونس التحرك بسرعة أكبر. فبحسب الاستراتيجية الصناعية والابتكارية التونسية في أفق 2035، تستهدف البلاد رفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام إلى 20%، وبلوغ 36 مليار دينار من الصادرات الصناعية، إلى جانب إحداث مئات آلاف مواطن الشغل بحلول 2035. وهي أهداف تعكس طموحًا واضحًا، لكنها تظل مرتبطة بالقدرة على ترجمتها إلى سياسات تنفيذية واستثمارات نوعية ومؤسسات أكثر مرونة.

من المناولة إلى القيمة المضافة

أحد أبرز أبعاد الرؤية التونسية يتمثل في الانتقال من نموذج صناعي قائم بدرجة كبيرة على المناولة والتكلفة التنافسية، إلى نموذج يرتكز على الابتكار والتخصص والتموقع داخل حلقات إنتاج ذات قيمة مضافة أعلى. وهذا التحول ليس ترفًا اقتصاديًا، بل ضرورة وجودية في بيئة إقليمية تزداد فيها المنافسة، خصوصًا من المغرب ومصر وتركيا، وكلها اقتصادات تعمل بقوة على جذب الاستثمارات الصناعية وتوسيع قواعدها التصديرية.

في هذا الإطار، تبدو التجمعات العنقودية أداة استراتيجية لا مجرد آلية تنظيمية، فهي تسمح بربط المؤسسات الصناعية بمراكز البحث والجامعات ومكاتب الهندسة والمزودين والمصدرين ضمن منظومات إنتاج متكاملة. وعندما تنجح هذه المنظومات، فإنها لا ترفع فقط من الإنتاجية، بل تُسرّع أيضًا نقل التكنولوجيا، وتُحسن جودة المنتجات، وتُخفّض كلفة الابتكار. ومن هنا، فإن رهان تونس الحقيقي لا يكمن فقط في إحداث أقطاب تخصص ذكية، بل في جعلها قادرة على إنتاج المعرفة الصناعية وتسويقها وتحويلها إلى فرص تصدير واستثمار.

الانتقال الأخضر: شرط النفاذ إلى الأسواق

التحول الأخضر لم يعد بندًا جانبيًا في السياسات الصناعية، بل أصبح أحد أهم معايير البقاء داخل الأسواق الأوروبية والدولية. وتونس، بحكم ارتباطها الوثيق بالسوق الأوروبية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار استراتيجي بالغ الحساسية. فآلية التعديل الكربوني على الحدود الأوروبية دخلت حيّز التنفيذ النهائي منذ 1 جانفي 2026، بما يفرض على المنتجين والمصدرين إلى الاتحاد الأوروبي إثبات بصمتهم الكربونية والامتثال لمتطلبات أكثر صرامة في قطاعات مثل الحديد والصلب والألمنيوم والإسمنت والأسمدة والكهرباء.

وهذا يعني عمليًا أن المصنع التونسي الذي لا ينجز انتقاله البيئي بسرعة، قد يفقد جزءًا من قدرته التنافسية، حتى لو كان سعره جيدًا وجودته مقبولة. لذلك، فإن إدماج الطاقات المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقية، وتحديث المعدات الصناعية، واعتماد أنظمة التتبع البيئي، لم تعد فقط سياسات دعم، بل تحولت إلى متطلبات تصديرية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر إذا علمنا أن الاتحاد الأوروبي عزز في مطلع 2026 دعمه لمشاريع الطاقة النظيفة في تونس عبر تمويلات ومنح موجهة لمشاريع الطاقة الشمسية والبنية التحتية الكهربائية، ضمن توجه أوروبي أوسع يربط التجارة بالتحول المناخي. بالنسبة إلى تونس، يشكل ذلك فرصة مزدوجة : خفض كلفة الطاقة على المؤسسات الصناعية من جهة، وتحسين قابلية منتجاتها للنفاذ إلى الأسواق الخارجية من جهة ثانية.

الصناعة الذكية: معركة التكنولوجيا بدأت بالفعل

لا يمكن الحديث عن تحول صناعي حقيقي دون المرور إلى الصناعة الذكية، فالمنافسة الدولية لم تعد تُحسم فقط بحجم اليد العاملة أو الموقع الجغرافي، بل بمدى استخدام البيانات والرقمنة والذكاء الاصطناعي والأتمتة الصناعية في إدارة سلاسل الإنتاج والجودة والصيانة واللوجستيك.

هنا تملك تونس نقطة قوة مهمة : رأس مال بشري مؤهل، خصوصًا في الهندسة والبرمجيات والصناعات الكهربائية والإلكترونية. غير أن هذه الأفضلية لن تُترجم تلقائيًا إلى تفوق صناعي ما لم يتم ربط التكوين العالي باحتياجات المصنع، وتحفيز الاستثمار في المعدات الذكية، وخلق حوافز حقيقية للمؤسسات التي تنتقل من الإنتاج التقليدي إلى نموذج الصناعة 4.0 .

الصناعة الذكية في تونس يجب ألا تُفهم فقط كاستيراد آلات أكثر تطورًا، بل كتحول شامل في الثقافة الإنتاجية. المطلوب بالتالي هو مصنع أكثر مرونة، أكثر قدرة على التتبع، وأكثر اندماجًا مع البحث العلمي والبرمجيات والخدمات الهندسية. وهو ما يمكن بالتحديد أن يمنح البلاد هامشًا تنافسيًا جديدًا، خاصة في الصناعات الميكانيكية والكهربائية ومكونات السيارات والصناعات الصيدلانية والغذائية ذات المعايير العالية.

الصادرات والاستثمار: الاختبار الحاسم للرؤية

في نهاية المطاف، تُقاس أي سياسة صناعية بقدرتها على رفع الصادرات وجذب الاستثمار. وفي هذا الباب، تظهر مؤشرات مشجعة لكنها غير كافية بعد. فقد بلغت الصادرات الصناعية التونسية 38.2 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2025، بزيادة 2.5% على أساس سنوي، فيما بلغت نوايا الاستثمار المصرح بها لدى وكالة النهوض بالصناعة والتجديد 1.27 مليار دينار موزعة على أكثر من 1900 مشروع. ورغم أهمية هذه الأرقام، فإنها تكشف أيضًا أن وتيرة التحول ما تزال أبطأ من المطلوب إذا أرادت تونس تحسين تموقعها الإقليمي بوضوح.

المعادلة هنا واضحة : لا يمكن دعم الصادرات الصناعية دون مناخ استثماري أكثر نجاعة، ولا يمكن جذب الاستثمار النوعي دون وضوح تشريعي، واستقرار جبائي، وطاقة تنافسية، ولوجستيك فعال، وإدارة أسرع في الترخيص والتصرف. كما أن المنافسة العالمية لم تعد تستقطب المستثمر على أساس الكلفة فقط، بل على أساس الجاهزية الصناعية الشاملة بما يتعلق بالمهارات، والبنية التحتية، والامتثال البيئي، وسرعة الاندماج في سلاسل التوريد.

ما يُطرح اليوم على تونس ليس مجرد تطوير قطاع اقتصادي، بل إعادة بناء رافعة سيادية للنمو والتشغيل والتصدير. وإذا كانت رؤية 2035 قد رسمت الإطار العام، فإن التحدي الحقيقي يبدأ الآن : كيف تتحول هذه الرؤية إلى مشروع وطني تنفيذي، تقوده الدولة لكن ينجزه القطاع الخاص، وتدعمه الجامعات ومراكز البحث والشركاء الدوليون؟

الإجابة ستحدد ما إذا كانت تونس ستكتفي بدور “قاعدة إنتاج قريبة من أوروبا”، أم ستنجح في التحول إلى منصة صناعية ذكية وخضراء ومصدّرة. وبين هذين الخيارين، لا تتحدد مكانة الصناعة فقط، بل مكانة الاقتصاد التونسي بأكمله في العقد المقبل.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا