في وقت تشرع فيه تونس في تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة، تكشف أحدث أرقام البنك المركزي عن تحول سوسيولوجي كبير: نمو بنسبة 31% في قيمة المعاملات عبر الهاتف الجوال خلال عام 2025. ورغم هذا الأداء، يواجه السوق التونسي مفارقة؛ فبوجود 16 مزوداً لخدمات الدفع (PSP) مقابل 469,000 محفظة نشطة فقط، لم يعد التحدي تكنولوجياً بل بات يكمن في “الترابط البيني” (Interoperability).
من “التقييم الائتماني للبيانات” (Data scoring) إلى سيادة نظام (White-EMV)، إليكم تحليلاً لمنظومة تبحث عن النضج.
بيانات النشرة رقم 15 للبنك المركزي التونسي ليست مجرد إحصائيات، بل هي مرآة لتغير عميق في العادات؛ حيث بلغ حجم معاملات الدفع عبر الجوال 1375 مليون دينار في عام 2025، مقابل 1049.6 مليون دينار في العام السابق.
هذه القفزة بنسبة 31% تشير إلى ارتقاء في نوعية الاستخدام: لم يعد الهاتف الجوال مخصصاً للمدفوعات الصغيرة فحسب، بل أثبت نفسه كأداة تسوية جدية. ومع ذلك، يكشف تحليل التدفقات عن استمرار عمليات “السحب النقدي” (Cash-out) بنسبة 14.2%. وسيكون تحدي عام 2026 هو تحويل هذا التدفق إلى “دائرة مغلقة” تظل فيها الأموال رقمية من البداية إلى النهاية، لتجنب ضياع القيمة نحو السيولة الورقية.
يجد الجدل حول دور مشغلي الاتصالات كقوة جامعة إجابته في التجربة الشرق أفريقية. ففي كينيا، نجحت خدمة (M-Pesa) فيما فشلت فيه البنوك عبر تحويل بائعي بطاقات الشحن إلى وكلاء بنكيين محليين.
تمتلك تونس بالفعل هذه الشبكة، وباستخدام قناة (USSD) الضرورية للمناطق الريفية، يمكن للمشغلين حل مشكلة “الميل الأخير”. ومع ذلك، تظهر الاستراتيجية التونسية، من خلال دمج “الهوية الرقمية” (E-Houwiya) في منصة (Paysmart)، أن المنظم يطمح لنموذج مفتوح: يوفر المشغل الوصول، لكن البنك المركزي يضمن حرية العميل في التنقل بين المزودين دون الخضوع للاحتكار.
من خلال تحليل وتيرة الشحن، والانضباط في دفع الفواتير، وعادات الاستهلاك، يمكن لمزودي خدمات الدفع والبنوك الشريكة الآن تقديم “قروض نانوية” (Nano-credits) فورية. يحول هذا الرافعة “المحفظة الرقمية” إلى محرك للصعود الاقتصادي، مما يسمح للتاجر بتمويل مخزونه بنقرة واحدة، دون ضمانات عينية سوى سمعته الرقمية.
يعد الدفع عبر الجوال الأداة الأكثر فعالية لتقليص حصة الاقتصاد الموازي. فبدلاً من الانتقال العنيف والقسري، يقدم الدفع الرقمي جسراً سلساً نحو التنظيم.
البائع المتجول الذي يقبل الدفع عبر الجوال يبدأ في ترك أثر رقمي لنشاطه، مما يمنحه أماناً أكبر (تقليل مخاطر سرقة النقود) ويفتح له مستقبلاً أبواب الخدمات المالية الرسمية. وبالنسبة للدولة، فهذه فرصة غير مسبوقة لإعادة دمج مليارات الدنانير تدريجياً في الدورة الاقتصادية المراقبة.
المعركة بين 16 مزوداً لخدمات الدفع في تونس لن تحسمها رسوم المعاملات، بل ثراء المنظومة. نحن ندخل عصر “التطبيقات الفائقة” المستوحاة من النماذج الآسيوية.
في واجهة واحدة، سيتمكن المستخدم التونسي من دفع فواتيره (الشركة التونسية للكهرباء والغاز/الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه)، وشحن هاتفه، وطلب الطعام، وحجز وسائل النقل، أو الاكتتاب في تأمين متناهي الصغر. وبذلك يصبح الهاتف مركز ثقل الحياة المدنية.
الدفع عبر الجوال ليس نهاية البنوك، بل هو نهاية لنموذج بنكي معين. فإذا كانت البنوك تسجل نمواً بنسبة 6.6% في عدد بطاقاتها (5.8 مليون وحدة)، فعليها الآن إعادة تموضعها كمزود لخدمات ذات قيمة مضافة عالية.
مفهوم “السقف الزجاجي” يفسر أن الشمول الحقيقي لن يتحقق إلا عندما ننتقل من “الدفع” (التدفقات) إلى “التمويل” (المدخرات والاستثمار). بنك الغد سيكون منصة مفتوحة (Open Banking) توفر السيولة والإطار الاحترازي لشركات التكنولوجيا المالية (Fintechs).
من أهم النقاط الاستراتيجية في خارطة طريق البنك المركزي التونسي هو نشر النظام الوطني (White-EMV). الهدف واضح: تقليل التبعية التكنولوجية والمالية لتونس تجاه العمالقة الدوليين.
من خلال معالجة المعاملات المحلية عبر معيار وطني سيادي، تحمي تونس بياناتها المالية، وتقلل من خروج العملات الصعبة المرتبطة بالعمولات الدولية، وتعزز صمود بنية الدفع التحتية أمام الصدمات الخارجية.
ستعمل ثلاثة مشاريع كبرى كمحفزات:
المحول الوطني للجوال (Mobile Switch): لتحقيق الترابط الكامل بحيث يمكن لعميل المزود “أ” الدفع لتاجر تابع للمزود “ب”.
معيار ISO 20022: لغة البيانات المالية العالمية التي ستسمح للبنوك والشركات الناشئة بالتواصل دون عوائق.
قانون المالية والفوترة الإلكترونية: من خلال فرض الأثر الرقمي إجبارياً اعتباراً من 2026 لبعض المعاملات، تدفع الدولة الفاعلين الاقتصاديين ميكانيكياً نحو الدفع عبر الجوال.
تعدد المحافظ الإلكترونية في تونس علامة على حيوية السوق، ولكن لكي لا تتحول هذه الحيوية إلى تشتت، فإن التقارب التقني والترابط البيني أمر حتمي.
المستقبل لن يكون للبنوك وحدها، ولا لمشغلي الاتصالات وحدهم، بل لأولئك الذين سيعرفون كيف يبنون منظومات هجينة. الدفع عبر الجوال هو الخطوة الأولى نحو تونس “أقل اعتماداً على الكاش”، حيث تصبح الشفافية المالية ركيزة لثقة جديدة بين المواطن والتاجر والدولة.
بقلم: وليد الكعلي
أستاذ جامعي وخبير مرافق في التجارة الإلكترونية واستراتيجيات التحول الرقمي للمؤسسات.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية