آخر الأخبار

تحفظات مهنية ودعوات للتأجيل.. البرلمان يدرس ملف الفوترة الإلكترونية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

أعاد مجلس نواب الشعب، الأربعاء 25 مارس 2026، فتح النقاش حول نظام الفوترة الإلكترونية خلال يوم دراسي نظمته الأكاديمية البرلمانية، بحضور رئيس المجلس إبراهيم بودربالة وعدد من النواب وممثلي الوزارات والمنظمات الوطنية والمهنية والخبراء، في خطوة تعكس تصاعد الجدل بشأن هذا المشروع بين من يعتبره خيارا إصلاحيا لا رجعة فيه، ومن يدعو إلى التريث ومراجعة شروط تنزيله على أرض الواقع.

وفي افتتاح أشغال هذا اليوم الدراسي، أكد رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة أن الأكاديمية البرلمانية تمثل فضاء جامعا للخبرات والكفاءات التونسية في مختلف المجالات، بما يساهم في تجويد النصوص القانونية وتعميق النقاش بشأنها. وشدد على أن العمل البرلماني يظل موجها بخدمة المصلحة الوطنية وتطوير التشريعات بما يستجيب لانتظارات التونسيين ويواكب التحولات الراهنة.

كما أبرز أهمية ملف الفوترة الإلكترونية، معربا عن الأمل في أن تفضي مخرجات هذا اليوم الدراسي إلى دعم جهود المجلس في معالجة هذا الملف الحساس، مع التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين مواكبة التطور التكنولوجي وتجنب التسرع في اتخاذ القرارات.

البرلمان بين مراجعة القانون وحماية التوازن الاقتصادي

من جانبه، أوضح رئيس لجنة المالية والميزانية ماهر الكتاري أن من صميم الوظيفة التشريعية معالجة النقائص التي قد تظهر في القوانين الصادرة، مبينا أن الأحكام المتعلقة بالفوترة الإلكترونية الواردة في قانون المالية لسنة 2026 تظل قابلة للمراجعة كلما اقتضت المصلحة الاقتصادية ذلك.

أما رئيس لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد سامي الرايس، فقد استعرض المسار التشريعي والتنفيذي للفوترة الإلكترونية، مذكرا بأن هذا التوجه انطلق تدريجيا منذ سنة 2016 قبل أن يتوسع مع قانون المالية لسنة 2026. وأشار إلى أن المصادقة على هذا القانون أثارت ردود فعل متباينة، خاصة بشأن جاهزية التطبيق، وهو ما دفع إلى إعادة النظر في المسألة.

وأكد الرايس أن رقمنة الإدارة تمثل خيارا استراتيجيا، لكن من دون أن تتحول إلى عبء على الفاعلين الاقتصاديين، وخاصة صغار المهنيين ومنتسبي قطاع الخدمات. كما كشف أن مجلس نواب الشعب ينظر حاليا في مقترحي قانون لتنقيح قانون المالية لسنة 2026، يتجه أحدهما نحو تأجيل اعتماد الفوترة الإلكترونية، فيما يدعو الثاني إلى إلغائها.

وزارة تكنولوجيات الاتصال: المشروع إصلاحي واستراتيجي

في المقابل، شددت المديرة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة تكنولوجيات الاتصال سناء الهواري على أن مشروع الفوترة الإلكترونية يندرج ضمن مسار إصلاحي شامل لتحديث الإدارة، مؤكدة أن هذا التوجه ليس خيارا تقنيا فحسب، بل هو ركيزة من ركائز الحوكمة الرشيدة ومكافحة الاقتصاد غير المنظم.

وأوضحت أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع مصالح وزارة المالية على تنفيذ خطة عمل مشتركة لتسهيل انخراط مختلف المتدخلين في المنظومة، مع اعتماد قدر من المرونة في تطبيق العقوبات حتى يتسنى للفاعلين الاقتصاديين التكيف التدريجي مع هذا النظام.

وأضافت أن الدولة وضعت جملة من الآليات الفنية لمرافقة هذا الانتقال، من بينها الاعتماد على الهوية الإلكترونية والإمضاء الإلكتروني، وإعداد أدلة تفسيرية، وإحداث مركز نداء لمرافقة المعنيين، إلى جانب العمل على تطوير حلول تقنية موجهة للحرفيين والمؤسسات الصغرى، مع إعداد كراس شروط خاص بخدمات الفوترة لفائدة المؤسسات المتوسطة والكبرى.

وختمت بالتأكيد على أن الحلول التقنية أصبحت متوفرة، داعية مختلف الهياكل والجهات المعنية إلى الانخراط في هذا المسار وعدم التراجع عنه.

خبراء الجباية والمحاسبة: التدرج ضرورة لا خيار

في مداخلاتهما، دعا كل من الأستاذ الجامعي والمستشار الجبائي محمد صالح العياري، والكاتب العام لهيئة الخبراء المحاسبين فوزي التومي، إلى اعتماد التدرج والمرونة في تنفيذ الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026، معتبرين أن تطبيق هذا النوع من الإصلاحات لا يمكن أن يتم بصورة فجئية.

وأكد العياري ضرورة التنصيص صراحة ضمن القانون على مبدأ المرحلية، مع مراجعة بعض الأحكام الجبائية ذات الصلة، خاصة ما يتعلق بالمهن غير التجارية ومذكرات الأتعاب الإلكترونية.

أما التومي، فلفت إلى غياب الأرقام الدقيقة والإحصائيات الكفيلة بتقييم جاهزية المنظومة، متسائلا عن مدى توفر ضمانات فعلية لحماية المعطيات، خاصة في ما يتعلق بمسؤولية المتدخلين في المنصة التقنية. كما أشار إلى أن عددا من التجارب الدولية، على غرار فرنسا وألمانيا، اعتمدت التدرج في تنزيل الفوترة الإلكترونية، مشددا على أن استيعاب عدد كبير من المنخرطين في فترة قصيرة يظل أمرا صعبا.

منظمات المهن الحرة تتحفظ: السر المهني وكلفة الانتقال في الواجهة

كشفت مداخلات ممثلي عدد من المهن الحرة والقطاعات المنظمة عن وجود تحفظات عميقة بشأن توسيع مجال الفوترة الإلكترونية، خاصة في القطاعات التي تقوم على السر المهني أو تعاني أصلا من ضغوطات مالية وإدارية.

فقد أكد ممثل الهيئة الوطنية للمحامين بتونس العروسي زقير أن تعميم الفوترة الإلكترونية على مهنة المحاماة يثير إشكاليات قانونية ومهنية متعددة، بالنظر إلى خصوصية النشاط وضرورة حماية سرية معطيات الحرفاء في مذكرات الأتعاب. وفي السياق نفسه، اعتبر المحامي لدى التعقيب بسام الحلواني أن الإدارة ومسدي الخدمات غير جاهزين بعد لهذا التحول، وأن الفوترة الإلكترونية، بصيغتها الحالية، تتعارض مع جوهر بعض المهن الحرة المحكومة بالسر المهني.

وفي القطاع الهندسي، شدد إحسان الزرعي، عضو مجلس عمادة المهندسين ونائب رئيس مكتب الخدمات الهندسية، على أن الفوترة الإلكترونية يمكن أن تحقق قفزة نوعية في حوكمة التدفقات المالية، غير أن تنزيلها الفوري في الظرف الاقتصادي الحالي قد يخلق اختناقات حادة، خاصة بالنسبة إلى المكاتب التي تضطر إلى دفع الأداءات والضرائب بمجرد إصدار الفاتورة، قبل تحصيل مستحقاتها فعليا، ولا سيما في الصفقات العمومية.

ودعا الزرعي إلى ربط الأداءات بتاريخ الاستخلاص الفعلي للمستحقات بدل تاريخ إصدار الفاتورة، إلى جانب اعتماد فترة انتقالية كافية وتزامن إرساء الفوترة الإلكترونية مع رقمنة كامل مسار الصفقات العمومية.

أما ممثل المجلس الوطني لعمادة الأطباء رضا الضاوي، فاعتبر أن القطاع الطبي يتمتع أصلا بدرجة عالية من الشفافية الجبائية، بفضل قابلية المعطيات للتقاطع والمراقبة من قبل الإدارة الجبائية، مؤكدا أن إدراج الأطباء ضمن منظومة الفوترة الإلكترونية في الوقت الراهن لن يضيف أثرا جوهريا على مستوى الشفافية، بقدر ما سيزيد في الأعباء الإدارية على الممارسين. ودعا إلى اعتماد حلول رقمية تدريجية تراعي خصوصية المهنة الطبية وتحترم السر المهني وحماية المعطيات الصحية.

القطاع الخاص يدعو إلى تعديل الفصل لا إسقاط الإصلاح

من جهته، عبر مهدي البحوري، عضو المكتب التنفيذي الوطني بكوناكت، عن دعم الكنفدرالية لمبدأ تأجيل العقوبات، معتبرا أن المؤسسات لا يمكن أن تعاقب في ظل غياب الشروط الموضوعية للامتثال. لكنه سجل في المقابل تحفظا على خيار الإلغاء الكلي للفصل 53، معتبرا أن ذلك قد يفهم باعتباره تراجعا عن الإصلاح بدل تعديله.

ودعا إلى اعتماد مقترح القانون عدد 12 لسنة 2026 كأساس تشريعي، مع إثرائه برزنامة تدريجية واضحة حسب رقم المعاملات، وإقرار برنامج مرافقة مهيكل وممول، وتعديل نظام العقوبات ليصبح تصاعديا، فضلا عن توفير ضمانات فعلية لحماية المعطيات الشخصية والسر المهني وفتح المنظومة التقنية أمام المنافسة والمنصات الخاصة المرخص لها.

كما أشار ممثل الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ماهر الشيخاوي إلى أن عدد المؤسسات المنخرطة في النظام منذ صدور القانون لا يزال محدودا، ولم يتجاوز 500 مؤسسة، معتبرا أن ذلك مؤشر واضح على وجود نقائص عملية تستوجب التدارك والمراجعة.

النواب: الرقمنة مطلوبة لكن الجاهزية غير متوفرة

وخلال النقاش العام، أجمع عدد من النواب على أهمية هذا اليوم الدراسي في توضيح الرؤية بخصوص اعتماد الفوترة الإلكترونية، معتبرين أن عددا من القطاعات، إلى جانب الوظيفة التنفيذية نفسها، لا تبدو جاهزة بعد لتنزيل هذا النظام بالشكل المطلوب.

كما أثار النواب جملة من الإشكاليات المرتبطة بالسر المهني، خاصة في قطاعي الصحة والمحاماة، وبحماية المعطيات الشخصية، ومدى قدرة المنظومة الحالية على ضمان هذه التوازنات. وشملت التساؤلات أيضا أثر اعتماد الفوترة الإلكترونية على السوق الموازية، وعلى العدالة الجبائية، وعلى الثقة بين الإدارة الجبائية والمتعاملين الاقتصاديين.

ودعا عدد من المتدخلين إلى توحيد المبادرات التشريعية المتعلقة بتنقيح قانون المالية لسنة 2026 ضمن نص موحد، بما يضمن أن تكون الرقمنة في خدمة المواطن والدولة في الآن ذاته، مع توفير بنية تحتية متكاملة، وبرامج تكوين ودعم فني ومرافقة تواكب مختلف الفئات المهنية، وخاصة المهن الصغرى والمهن الحرة.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا