لطالما جرى النظر إلى أزمات الطاقة من خلال مؤشر يكاد يكون وحيدا: سعر النفط الخام. لكن الحرب مع إيران بدأت تنقل مركز الثقل في هذه التهديدات. فالمشكلة لم تعد تقتصر على البرميل، بل باتت تطال ما تستهلكه الاقتصادات يوميا لتواصل العمل: ديزل الشاحنات، وكيروسين الطائرات، وبنزين السيارات.
بمعنى آخر، لم تعد التوترات تتصاعد فقط في الأسواق المالية أو في أسعار النفط الخام، بل بدأت تتجسد في سلاسل الإمداد نفسها. وهذا تحديدا ما يجعل الوضع أكثر إثارة للقلق.
نقطة الانكسار الحقيقية لم تعد النفط وحده
بحسب المعلومات التي أوردتها صحيفة وول ستريت جورنال، فإن تداعيات الحرب مع إيران بدأت تضغط على الأسواق العالمية للوقود بوتيرة أسرع من تأثيرها على النفط الخام نفسه.
و هذا التحول بالغ الأهمية. فالسوق المشدودة للنفط الخام تبقى، إلى حد ما، أمرا مجردا بالنسبة إلى الرأي العام. أما حين تبدأ المنتجات المكررة في النقص، فإن الأزمة تصبح أكثر واقعية وفورية. فهي تصيب النقل، وشركات الطيران، والخدمات اللوجستية، والسلاسل الصناعية، ثم تمتد آثارها إلى كامل الاقتصاد الحقيقي.
و هذا التحول هو ما يثير قلق كبار الفاعلين في القطاع.
شل تحذر من انكماش بات ظاهرا في آسيا
حذّر المدير التنفيذي لشركة شل، وائل صوان، من أن إمدادات الوقود بدأت بالفعل تتقلص في جنوب آسيا. ووفق تقديره، قد تمتد هذه الضغوط قريبا إلى شمال شرق آسيا.
و هذا التطور ليس تفصيلا هامشيا. فعندما تبدأ منطقة واسعة واستراتيجية مثل آسيا في مواجهة نقص في المنتجات المكررة، فإن طرق التجارة العالمية يعاد تنظيمها، والشحنات تغير وجهاتها، وتصبح توازنات السوق أكثر هشاشة في وقت وجيز.
و أوروبا بدورها ليست بمنأى عن هذا الخطر. فالاحتمال المطروح واضح: إذا استمر الوضع على حاله، فقد تظهر حالات نقص في القارة بداية من شهر أفريل.
ليست كل المنتجات معرضة بالدرجة نفسها. ومن بين أكثر أنواع الوقود هشاشة، يبرز الكيروسين في مقدمة القائمة، يليه الديزل، ثم البنزين، مع اقتراب الموسم الصيفي وارتفاع الطلب.
و هذا الترتيب ليس أمرا ثانويا، بل يكشف أن الأزمة تهدد أولا القطاعات الأكثر ارتباطا بانسيابية الإمدادات. فقد يكون النقل الجوي من أوائل القطاعات التي ستواجه الضغط. ثم يأتي النقل البري سريعا، مع ما قد يترتب عن ذلك من انعكاسات على كلفة السلع، والتوزيع، والحياة اليومية. وبعد ذلك يأتي البنزين، في ظرف ترتفع فيه الاستهلاكات عادة خلال الموسم الصيفي.
و خلاصة الأمر أن ما يتعرض للضغط ليس الأسواق فقط، بل الاستخدامات الأكثر حيوية في النظام الطاقي العالمي.
المنتجات المكررة تتحول إلى الحلقة الأضعف
الديزل، والبنزين، والكيروسين: هذه المنتجات المكررة تبدو اليوم أكثر هشاشة من النفط الخام نفسه.
و يعود ذلك إلى واقع بسيط. فالنفط الخام ما زال بالإمكان نقله أو تخزينه أو إعادة توجيهه. أما المنتجات المكررة فتعتمد على سلاسل لوجستية أدق وأسرع وأكثر هشاشة، وغالبا ما يكون من الأصعب إعادة تنظيمها في حالات الطوارئ. وما إن يختل عمل هذه الدوائر حتى تنتقل التوترات بسرعة أكبر إلى المستهلك النهائي.
و هنا تحديدا تتغير طبيعة الأزمة. فهي لم تعد مجرد أزمة أسعار، بل تتحول إلى أزمة محتملة في التوفر.
الحكومات مطالبة بالتحرك قبل الوصول إلى نقطة الانقطاع
أمام هذا التصاعد في المخاطر، تدعو شل الحكومات إلى عدم الانتظار. وتوصي المجموعة بخفض الطلب، وتعبئة الاحتياطيات الاستراتيجية عند الضرورة.
و مثل هذا النداء لا يصدر أبدا بخفة. فهو يعني أن الصناعيين لم يعودوا يخشون فقط ارتفاعا ظرفيا في الأسعار، بل باتوا يضعون في الحسبان سيناريو قد تشهد فيه بعض الأسواق توترات حقيقية على مستوى الإمدادات.
و عندما تبدأ الحكومات في التفكير بمنطق الاحتياطات، وترشيد الاستهلاك، والمفاضلة بين الأولويات، فهذا يعني أن أزمة الطاقة دخلت مرحلة أكثر جدية، وأكثر تسييسا، وربما أكثر استدامة.
تهديد مباشر للنقل والطيران والصناعة
الخطر لم يعد يهم فقط البلدان المنتجة، ولا المتعاملين في الأسواق، ولا شركات النفط الكبرى. بل بات يهدد قطاعات كاملة من الاقتصاد العالمي.
فالطيران قد يتضرر من نقص الكيروسين. أما النقل البري والخدمات اللوجستية فقد تضعف بفعل الضغط على الديزل. والصناعة بدورها قد تواجه آثار طاقة أصبحت أكثر ندرة، وأعلى كلفة، وأكثر غموضا.
و هذا الامتداد على مستويات عدة هو ما يجعل اللحظة الراهنة شديدة الحساسية. فنقص المنتجات المكررة لا يبقى معزولا أبدا، بل سرعان ما ينعكس على الكلفة، والآجال، وسلاسل الإنتاج، وفي نهاية المطاف على القدرة الشرائية.
و هكذا تكشف الحرب مع إيران، في العمق، حقيقة أوسع: ففي اقتصاد عالمي شديد الترابط، لا تضرب الصدمات الجيوسياسية دائما في الموضع الذي نتوقعه أكثر من غيره.
كنا نراقب النفط الخام، لكن الوقود اليومي هو الذي يثير القلق الآن. وكنا نتابع الأسعار، غير أن السؤال بات يتجه إلى الكميات المتاحة.
و إذا طال أمد النزاع، فقد يصبح السؤال الحقيقي بسيطا للغاية: ليس كم ستبلغ كلفة الطاقة، بل هل ستكون متوفرة بكميات كافية لتشغيل الطائرات، والشاحنات، والمصانع، والاقتصادات.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية