قدّم الكاتب والاقتصادي جاك أتالي قراءة نقدية حادة لوضع العلاقات الدولية، معتبراً أن العالم المعاصر يقوم بدرجة أقل على نظام قانوني حقيقي، وبدرجة أكبر على موازين قوى تزداد وضوحاً وجرأة.
ويرى أن الوضع الراهن يملك على الأقل ميزة إبراز حقيقة باتت أكثر وضوحاً: لا يوجد، بالمعنى الدقيق، نظام دولي. ويقول: «لم يوجد يوماً نظام دولي، بل هناك فقط موازين قوى»، مشدداً على أن القوى الكبرى تتصرف أساساً وفقاً لمصالحها الخاصة.
كما يشكك جاك أتالي في الفعالية الحقيقية للقانون الدولي. فبرأيه، لا يمكن اعتبار أي قانون فاعلاً بالكامل ما لم تقترن به عقوبات في حال انتهاكه. غير أنه يرى أن النظام الدولي الحالي يفتقر إلى آليات ملزمة فعلياً تفرض احترام القواعد المشتركة.
وانطلاقاً من هذا المنطق، فإن المعاهدات لا تُطبَّق إلا من قبل الدول التي تختار طوعاً الالتزام بها، وليس لأنها مُلزَمة بذلك فعلياً. وعلى خلاف القانون الداخلي، الذي يستند إلى مؤسسات ومحاكم وعقوبات، يعاني القانون الدولي، وفقاً له، من ضعف بنيوي. ويختصر جاك أتالي هذه الفكرة بصورة معبّرة: لا توجد «سجن مشترك للبشرية» قادر على معاقبة من ينتهكون ما يُعرف بالقانون الدولي.
ويصف الاقتصادي الحياة السياسية العالمية بأنها فضاء تحكمه «الأنانية العقلانية» أو، في الحد الأدنى، «الإيثار المصلحي». أي أن الدول تساعد غيرها عندما تجد في ذلك منفعة، مباشرة أو غير مباشرة، وتتوقف عن ذلك حين ترى أن هذه المصلحة قد زالت.
وفي هذا السياق، يتطرق جاك أتالي أيضاً إلى الدور التاريخي للولايات المتحدة. ويذكّر بأن أوروبا يمكن أن تكون ممتنة لها بعمق لمساهمتها الحاسمة في هزيمة الفاشية والنازية خلال أربعينيات القرن الماضي. لكنه يضيف أن هذا الالتزام كان، هو الآخر، مدفوعاً إلى حد كبير بالمصلحة الأمريكية.
ويخلص في تشخيصه إلى نتيجة واضحة بشأن الوضع الراهن في القارة الأوروبية. إذ يرى أن على الأوروبيين الإقرار بواقع استراتيجي جديد: لم يعد هناك من يملك مصلحة حقيقية في الدفاع عن أوروبا نيابةً عنهم. وبعبارة أخرى، فإن أمن القارة وحمايتها لا يمكن أن يعتمدا على المدى الطويل إلا على الأوروبيين أنفسهم.
ومن خلال هذه القراءة، يقدّم جاك أتالي رؤية واقعية، بل وربما متشائمة، للنظام الدولي. إذ يسلّط الضوء على تراجع الأوهام المرتبطة بقوة القانون، ومتانة التحالفات، ووجود نظام عالمي قائم على مبادئ كونية مُلزِمة فعلياً.
وفي سياق دولي يتسم بالحروب، وتنافس القوى، وتراجع فعالية الآليات متعددة الأطراف، تعيد هذه القراءة فتح النقاش حول قدرة أوروبا على الدفاع بمفردها عن مصالحها وأمنها ومكانتها في عالم تحكمه القوة أكثر مما تحكمه القواعد.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية