قبل وقت ليس ببعيد، كانت أوكرانيا تبدو كخط مواجهة، دولة تحت ضغط، تمتص المساعدات العسكرية والسياسية القادمة من الغرب للصمود في وجه حرب شرسة. اليوم، تغيّر شيء ما. ببطء، وبشكل يكاد يكون صامتًا، بدأت كييف في قلب دورها. لم تعد تكتفي بالمقاومة، بل بدأت تنقل خبرتها.
فعلى مدى الأشهر، صاغت الحرب مهارة نادرة: القدرة على البقاء في وجه موجات متكررة من الطائرات المسيّرة والصواريخ والهجمات الكثيفة، حيث لا تكفي التكنولوجيا وحدها، وحيث لا يضمن الصمود سوى التكيّف المستمر. هذه التجربة، التي اكتُسبت تحت ضغط الضرورة وبكلفة بشرية عالية، تتحول اليوم إلى شكل من أشكال الخبرة الاستراتيجية.
في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز “شاهد”، التي استُخدمت على نطاق واسع في النزاعات الأخيرة، تعلّمت أوكرانيا الرد بأساليب مختلفة. ليس فقط عبر أنظمة ثقيلة ومكلفة، بل من خلال حلول أكثر مرونة وأقل كلفة، قادرة على تحييد التهديد دون استنزاف الموارد. في هذه الحرب الجوية على الارتفاعات المنخفضة، لم تعد القوة وحدها هي الفارق، بل أصبح ذكاء معادلة الكلفة والفعالية هو العامل الحاسم.
هذا التحول في النموذج بدأ يتجاوز الحدود الأوكرانية. ففي عدة عواصم في الشرق الأوسط والخليج، حيث بات تهديد الطائرات المسيّرة واقعًا استراتيجيًا، تثير التجربة الأوكرانية اهتمامًا ملموسًا. ليس كنموذج نظري، بل كاستجابة مجرّبة ومختبرة ومتكيفة مع الواقع.
هذا التحول يحمل أيضًا بُعدًا سياسيًا. فهو يعكس أمرًا أعمق: دولة كانت حتى وقت قريب تطلب المساعدة، بدأت اليوم تقدمها. وفي عالم أصبحت فيه الأمن عملة نفوذ، فإن هذا التحول ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعيد رسم موقع أوكرانيا في موازين القوى الدولية.
بالتوازي، تواصل كييف تعزيز تحالفاتها، لا سيما مع القوى الغربية، مع إظهار قدرتها على العمل، حتى في العمق، ضد البنى التحتية العسكرية للخصوم. هذا التموضع المزدوج — بين التلقي والإسقاط — يعكس نضجًا استراتيجيًا جديدًا.
لكن، بعيدًا عن الأرقام والعمليات، قد يكمن التحول الحقيقي في مكان آخر: في الطريقة التي جرى بها تحويل الحرب إلى تجربة قابلة للنقل. في هذه القدرة على استخلاص منهج من الفوضى، وفي هذه الفكرة التي مفادها أنه حتى في قلب الصراع، يمكن إنتاج المعنى والابتكار، وفي نهاية المطاف، النفوذ.
لم تعد أوكرانيا مجرد ساحة معركة، بل باتت، تدريجيًا، مرجعًا. وفي شرق أوسط تشهد موازينه الأمنية إعادة تشكّل متسارعة، قد يكون لهذا التطور أثر أكبر بكثير مما يبدو عليه اليوم.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية