بينما تُحدث الحرب ضد إيران اضطرابًا في التوازن الاستراتيجي للشرق الأوسط، انفتحت معركة أخرى في واشنطن. وهذه المرة لا تدور في ساحات القتال ولا في أروقة الدبلوماسية، بل في المشهد الإعلامي الأمريكي.
فمنذ عدة أيام، يتهم دونالد ترامب وعدد من مسؤولي إدارته بعض وسائل الإعلام بتشويه حقيقة الصراع. وقد تصاعد التوتر عندما لوّح رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC)، بريندان كار، بإمكانية سحب تراخيص البث من قنوات متهمة بنشر معلومات مضللة حول الحرب.
في رسالة نشرها في 14 مارس 2026، أكد بريندان كار أن المؤسسات الإعلامية التي تروّج لما وصفه بـ«الخدع» أو «تشويه المعلومات» قد تُضطر إلى تقديم تفسيرات عند تجديد تراخيص البث الخاصة بها.
وأوضح أن القنوات التلفزيونية التي تبث عبر الموجات العامة ملزمة قانونًا بالعمل لخدمة المصلحة العامة. وإذا لم يُحترم هذا المبدأ، يمكن للسلطات نظريًا رفض تجديد تراخيصها.
وقد أحدث هذا التصريح صدمة فورية في واشنطن، خاصة أنه يأتي في مناخ متوتر أصلًا بين إدارة ترامب وعدد من كبرى المؤسسات الصحفية الأمريكية.
اندلعت هذه القضية بعد تقارير بثّتها بعض وسائل الإعلام أفادت بأن خمسة طائرات أمريكية للتزوّد بالوقود جوًا كانت متمركزة في السعودية قد تعرضت لضربة خلال هجوم مرتبط بالصراع.
وقد رفض دونالد ترامب هذه المزاعم بشدة. فبحسب قوله، لم تُدمَّر أي طائرة، كما أن أربعًا من الطائرات الخمس التي تضررت لم تتعرض إلا لأضرار طفيفة قبل أن تُعاد سريعًا إلى الخدمة.
ويرى الرئيس الأمريكي أن هذه المعلومات تندرج ضمن حملة تهدف إلى إضعاف مصداقية الولايات المتحدة في حربها ضد إيران.
ولا يقتصر التوتر على البيت الأبيض. فقد وجّه وزير الدفاع بيت هيغسيث بدوره انتقادات حادة لبعض وسائل الإعلام.
فقد ندد خصوصًا بتقرير بثّته CNN حول التداعيات الاقتصادية للصراع والاضطرابات في مضيق هرمز، واصفًا إياه بأنه «أخبار كاذبة» وسرد «غير مسؤول بشكل أساسي».
وردّت شبكة CNN بأنها تتمسك بتحقيقها الصحفي، مؤكدة أنه يستند إلى مصادر متعددة وموثوقة.
وفي الوقت نفسه، شدّد البنتاغون شروط وصول الصحافة إلى بعض المنشآت العسكرية، ما دفع نحو ثلاثين مؤسسة إعلامية كبرى إلى التخلي عن اعتمادها ضمن هذا النظام الجديد.
ورغم حدة التصريحات، يذكّر عدد من الخبراء القانونيين بأن لجنة الاتصالات الفيدرالية لا تستطيع فرض رقابة مباشرة على المحتوى التحريري للقنوات التلفزيونية.
فالولايات المتحدة تحمي حرية الصحافة بموجب التعديل الأول للدستور. وتبقى صلاحيات الهيئات التنظيمية محدودة، ولا يمكنها التدخل إلا في حالات محددة للغاية، مثل الاحتيال الواضح أو التلاعب المتعمد بالمعلومات.
ولهذا السبب أثارت تصريحات بريندان كار ردود فعل سياسية حادة.
فقد ندد السيناتور الديمقراطي براين شاتز بما اعتبره محاولة لترهيب وسائل الإعلام. كما حذّرت عدة منظمات مدافعة عن حرية التعبير من أن أي ضغط حكومي على المحتوى الصحفي قد يشكّل انتهاكًا للتعديل الأول.
وبعيدًا عن الجدل القانوني، تكشف هذه المواجهة عن ظاهرة أعمق: فالحرب في إيران لا تُخاض فقط على الأرض عسكريًا.
بل تُخاض أيضًا في ساحة المعلومات.
فبالنسبة لدونالد ترامب، تشارك بعض وسائل الإعلام في حملة تهدف إلى تقويض المجهود الحربي الأمريكي. أما خصومه فيرون، على العكس، أن الصحافة لا تقوم إلا بدورها كسلطة رقابية، من خلال التدقيق في قرارات الحكومة وطرح الأسئلة حولها.
وفي هذا المناخ من الاستقطاب الحاد، يبدو أن الحرب ضد إيران فتحت جبهة سياسية جديدة داخل الولايات المتحدة: جبهة الصراع من أجل السيطرة على الرواية الإعلامية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية