آخر الأخبار

القمح تحت ضغط الحرب: ما الذي ينتظر منظومة الحبوب في تونس؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يثير أي اضطراب في أسواق الحبوب العالمية قلقاً فورياً في تونس، حيث يرتبط الأمن الغذائي بشكل وثيق بتقلبات الأسعار الدولية وسلاسل الإمداد.

ومع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة واحتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز، تعود المخاوف من جديد بشأن قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها من القمح والحبوب بأسعار مقبولة، في ظل وضع اقتصادي ومالي دقيق، فبالنسبة لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية، يمكن لأي صدمة خارجية أن تتحول سريعاً إلى ضغط مباشر على المالية العمومية وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.

اضطراب الأسواق العالمية ينعكس سريعاً على تونس

رغم أن إيران ليست من المزودين الرئيسيين لتونس بالقمح، فإن انعكاسات الحرب لا تتوقف عند حدود الدول المتحاربة، فالتوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج غالباً ما تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على السفن، فضلاً عن تقلب أسعار الطاقة التي تشكل عنصراً أساسياً في كلفة إنتاج ونقل الحبوب عالمياً.

ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب في الملاحة عبر هذا المضيق ينعكس فوراً على أسعار الوقود والشحن البحري، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة كلفة توريد السلع الأساسية ومنها الحبوب.

هذا وشهدت الأسواق العالمية تقلبات ملحوظة في أسعار القمح خلال الأزمات الجيوسياسية الأخيرة، فبعد الحرب في أوكرانيا سنة 2022 قفزت الأسعار إلى مستويات قياسية تجاوزت 400 دولار للطن في بعض الفترات. ورغم أن الوضع الحالي لا يشهد القفزة نفسها، فإن المخاوف تتزايد من موجة ارتفاع تدريجية قد تكون أقل حدة ولكن أطول أمداً.

اعتماد كبير على التوريد لتغطية الاستهلاك

تعتمد تونس بشكل كبير على استيراد الحبوب لتأمين احتياجاتها الغذائية حيث تشير تقديرات المرصد الوطني للفلاحة إلى أن الواردات مرشحة لتغطية نحو 75 بالمائة من الاستهلاك الوطني من القمح، نتيجة محدودية الإنتاج المحلي وتأثره المتكرر بفترات الجفاف.

وتستورد البلاد القمح من عدة مناشئ دولية، أبرزها دول الاتحاد الأوروبي ومنطقة البحر الأسود، خصوصاً روسيا وأوكرانيا اللتين تمثلان معاً جزءاً مهماً من الإمدادات العالمية للحبوب. كما تعد فرنسا من أهم مزودي تونس بالقمح اللين المخصص لصناعة الخبز.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن تونس تستورد سنوياً ما يزيد عن 1.6 مليون طن من القمح اللين، إضافة إلى كميات من القمح الصلب والشعير. في المقابل، لا يغطي الإنتاج المحلي سوى نحو 45 بالمائة من حاجيات البلاد من القمح الصلب في أفضل المواسم الفلاحية، بينما يبقى الإنتاج عرضة للتقلبات المناخية.

وتستهلك تونس سنوياً ما يقارب 3.4 إلى 3.6 ملايين طن من الحبوب، منها حوالي 2.5 مليون طن من القمح بنوعيه. ويعد الخبز ومشتقاته من أكثر المواد الغذائية استهلاكاً في البلاد، حيث يتجاوز معدل استهلاك الفرد من الحبوب 200 كيلوغرام سنوياً، وهو من أعلى المعدلات في المنطقة.

منظومة الدعم تحت ضغط الأسعار العالمية

تمثل الحبوب جزءاً مهماً من فاتورة الواردات الغذائية في تونس، ففي بعض الفترات تجاوزت قيمة واردات الحبوب 3.5 مليارات دينار نتيجة ارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية. ومع استمرار منظومة دعم الخبز والسميد، تتحمل الدولة الجزء الأكبر من كلفة هذه الزيادات.

وتوضح المعطيات المالية أن كل ارتفاع قدره عشرة دولارات في سعر طن القمح يؤدي إلى زيادة فاتورة التوريد بنحو 16 مليون دولار. ويعني ذلك أن أي موجة ارتفاع جديدة في الأسعار العالمية يمكن أن تتحول سريعاً إلى عبء إضافي على الميزانية.

كما أن ارتفاع أسعار النفط يزيد بدوره من الضغوط المالية. فكل زيادة مماثلة في سعر برميل النفط تضيف ما بين 150 و200 مليون دولار إلى فاتورة الطاقة في تونس، وهو ما يضاعف تأثير الصدمات الخارجية على الاقتصاد الوطني.

وتشير تقديرات إلى أن كلفة دعم الحبوب والخبز في تونس قد تتجاوز أحياناً 2 مليار دينار سنوياً، ما يجعلها واحدة من أكبر بنود الدعم في الميزانية.

الخبز عنصر استقرار اجتماعي

في تونس لا يمثل الخبز مجرد سلعة غذائية عادية، بل يعد جزءاً من التوازن الاجتماعي، اذ ارتبط تاريخياً بفترات حساسة في البلاد، ولهذا السبب تحرص الحكومات المتعاقبة على الحفاظ على استقرار أسعار الخبز، رغم الكلفة المالية الكبيرة لذلك، فأي اضطراب في تزويد المطاحن بالقمح قد يؤدي سريعاً إلى نقص في الدقيق أو السميد، وهو ما ينعكس مباشرة على السوق المحلية.

وتبلغ الطاقة التخزينية للحبوب في تونس نحو 1.3 مليون طن موزعة بين الديوان الوطني للحبوب والمطاحن والصوامع الخاصة، وهو مخزون يهدف إلى تأمين تزويد السوق لفترات تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر في الظروف العادية.

تداعيات اقتصادية أوسع

تأتي هذه التحديات في وقت يواجه فيه الاقتصاد الوطني تباطؤاً في النمو وارتفاعاً في مستويات الدين العمومي. فقد بلغ قائم الدين العمومي حوالي 80 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تبقى المالية العمومية تحت ضغط متواصل بسبب كلفة الدعم والإنفاق العمومي.

كما تواجه البلاد ضغوطاً على احتياطي العملة الأجنبية. ووفق بيانات البنك المركزي التونسي، يقدر احتياطي النقد الأجنبي بأكثر من 25 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 8.6 مليارات دولار، وهو ما يغطي حوالي 106 أيام من التوريد لكن أي ارتفاع كبير في فاتورة الطاقة أو الغذاء يمكن أن يقلص هذا الهامش بسرعة، خصوصاً إذا تزامن مع تراجع موارد العملة الاجنبية مثل السياحة أو الصادرات.

وفي ظل هذه المعطيات، يصبح التصرف في منظومة الحبوب في تونس مسألة استراتيجية تتجاوز مجرد تزويد السوق، لتشمل رهانات الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فكل أزمة دولية جديدة تذكر بمدى ارتباط الاقتصاد الوطني بتقلبات الأسواق العالمية، وبالحاجة المتزايدة إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين إدارة الموارد الفلاحية واللوجستية لضمان استدامة التزويد في المستقبل.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا