تشهد الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تونس خلال السنوات الأخيرة نسقاً تصاعدياً يعكس تحسناً نسبياً في قدرة الاقتصاد الوطني على استقطاب رؤوس الأموال الدولية. فقد سجلت هذه الاستثمارات خلال سنة 2025 ارتفاعاً لافتاً بنسبة 30,3% لتبلغ 3,572 مليارات دينار، مقارنة بـ2,742 مليارات دينار في سنة 2024.
وبهذه النتائج تجاوزت تونس الهدف السنوي المحدد عند 3,4 مليارات دينار، كما تخطت الاستثمارات الأجنبية المباشرة لأول مرة منذ سنوات عتبة 3,5 مليارات دينار. وتؤكد هذه الأرقام دخول البلاد مرحلة جديدة من التعافي النسبي في تدفقات الاستثمار الخارجي، حيث فاقت الزيادة المسجلة 20%، وهو ما يعكس عودة تدريجية لاهتمام المستثمرين الدوليين بالسوق التونسية.
وتكتسي هذه الديناميكية أهمية خاصة في ظل حاجة الاقتصاد الوطني إلى مصادر تمويل خارجية مستدامة، لا سيما في سياق الضغوط التي يواجهها ميزان المدفوعات وتقلص هامش التمويل الخارجي التقليدي. فبالنسبة للعديد من الاقتصادات الصاعدة، يمثل الاستثمار الأجنبي المباشر أحد أهم روافد التمويل طويل الأمد، نظراً لارتباطه بنقل التكنولوجيا وتعزيز الإنتاجية ودعم القدرة التصديرية.
الصناعة التحويلية: القاطرة الرئيسية لجذب الاستثمارات
يظهر تحليل توزيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة حسب القطاعات أن الصناعة التحويلية مازالت تحتفظ بموقع الصدارة في جذب الاستثمارات الأجنبية إلى تونس. فقد استحوذ هذا القطاع على ما نسبته 62,6% من إجمالي هذه الاستثمارات بقيمة بلغت 2,194 مليار دينار.
ويعكس هذا الوزن الكبير استمرار اندماج الصناعات التونسية في سلاسل القيمة الصناعية الأوروبية والعالمية، خصوصاً في مجالات الصناعات الميكانيكية والكهربائية وصناعة مكونات السيارات وكذلك الصناعات المرتبطة بالطيران. وتُعد هذه القطاعات من بين أكثر الأنشطة قدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية بفضل طابعها التصديري وكثافة استخدامها للتكنولوجيا والمهارات.
ويأتي قطاع الخدمات في المرتبة الثانية باستثمارات بلغت 657,9 مليون دينار، وهو ما يعكس تنامي اهتمام المستثمرين بمجالات الخدمات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والخدمات الموجهة للمؤسسات. أما قطاع الطاقة فقد استقطب استثمارات بقيمة 570,8 مليون دينار، في حين ظل القطاع الفلاحي الأقل جذباً للاستثمارات الأجنبية بحجم لم يتجاوز 83,7 مليون دينار.
ويبرز هذا التوزيع القطاعي استمرار تمركز الاستثمار الأجنبي في الأنشطة الصناعية الموجهة للتصدير، وهو ما يمنح هذه الاستثمارات دوراً محورياً في دعم الصادرات الصناعية وتعزيز الاندماج الاقتصادي لتونس في محيطها الإقليمي والدولي.
أثر اقتصادي مزدوج: دعم للنمو والتشغيل
تساهم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في دعم الاقتصاد التونسي عبر عدة قنوات، فهي توفر موارد مالية إضافية للاقتصاد وتساعد على خلق فرص عمل جديدة، خاصة في القطاعات الصناعية الموجهة للتصدير. كما تتيح نقل الخبرات التكنولوجية وأساليب الإدارة الحديثة، وهو ما يعزز إنتاجية المؤسسات المحلية ويطور تنافسية الاقتصاد.
ومن ناحية أخرى، تلعب الشركات الأجنبية المنتصبة في البلاد دوراً مهماً في دعم الصادرات الصناعية، حيث تمثل المؤسسات ذات المساهمة الأجنبية نسبة هامة من إجمالي الصادرات التونسية، خاصة في الصناعات الميكانيكية والكهربائية وقطاع مكونات السيارات.
وبفضل هذا الدور، يساهم الاستثمار الأجنبي المباشر في تعزيز تدفقات العملة الاجنبية عبر الصادرات، وهو عنصر أساسي في دعم استقرار ميزان المدفوعات.
مفارقة الاستثمار الأجنبي: خروج صاف للعملة الاجنبية
غير أن هذه الديناميكية الإيجابية في تدفقات الاستثمار الأجنبي تخفي مفارقة مالية مهمة تتعلق بتوازنات القطاع الخارجي، فرغم ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فقد أسفرت التدفقات المالية المرتبطة بها في نهاية المطاف عن تسجيل خروج صافٍ للعملة الصعبة يقدر بنحو 1,59 مليار دينار.
ويعود هذا الخروج أساساً إلى تحويل الأرباح التي تحققها الشركات الأجنبية المنتصبة في تونس إلى مقراتها الأم في الخارج. ويعد تحويل الأرباح ممارسة طبيعية في إطار الاستثمار الدولي، حيث يسعى المستثمرون إلى استرجاع مردود استثماراتهم.
لكن ارتفاع حجم هذه التحويلات يمكن ان يشكل ضغطاً إضافياً على احتياطي النقد الأجنبي، خاصة في اقتصاد يعاني من عجز هيكلي في الميزان التجاري ويعتمد بشكل متزايد على التمويل الخارجي.
التوازن بين الجاذبية الاستثمارية واستقرار القطاع الخارجي
في ضوء هذه المعطيات، يبرز التحدي الرئيسي أمام السياسات الاقتصادية في البلاد في كيفية تحقيق توازن دقيق بين تعزيز جاذبية البلاد للاستثمار الأجنبي المباشر والحفاظ في الوقت ذاته على استقرار التوازنات الخارجية.
فمن جهة أولى، يتطلب الأمر مواصلة تحسين مناخ الأعمال وتبسيط الإجراءات الإدارية وتعزيز الاستقرار التشريعي، وهي عوامل أساسية للحفاظ على نسق تدفق الاستثمارات الأجنبية.
ومن جهة ثانية، تبرز الحاجة إلى تشجيع الشركات الأجنبية على إعادة استثمار جزء أكبر من أرباحها داخل تونس، بما يسمح بتوسيع الطاقات الإنتاجية وتعميق الاندماج المحلي لهذه الاستثمارات في النسيج الاقتصادي. كما أن توجيه الاستثمار الأجنبي نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية والقدرة التصديرية المرتفعة من شأنه أن يعزز تدفقات العملة الاجنبية ويخفف من أثر تحويل الأرباح إلى الخارج.
وعموما، تظل الاستثمارات الأجنبية المباشرة أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في البلاد، غير أن تعظيم فوائدها يظل رهين قدرة السياسات الاقتصادية على إدارة تدفقاتها المالية بكفاءة، بما يضمن استدامة التوازنات المالية والنقدية للاقتصاد الوطني.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية