حين كنّا نتحدث عن «سمّ الدَّين»، أي الدَّين المصري تحديدًا، كنّا نعرف أن القاهرة ستعود إليه قريبًا، لكننا لم نكن نتوقع أن يأتي الإعلان بهذه السرعة.
فقد أعلن صندوق النقد الدولي (IMF) رسميًا، يوم الأربعاء 25 فيفري، استكمال مراجعتين جديدتين لبرنامج الإصلاحات الاقتصادية في مصر. وبعبارة أخرى، نظريًا لن يحول شيء دون تمكّن الرئيس عبد الفتاح السيسي من تحصيل نحو 2.3 مليار دولار في مستقبل قريب.
و معلوم أن مصر تُعدّ من «المقرّبين» لدى المؤسسة المالية الدولية؛ غير أنه بعد انتقادات كريستالينا غورغييفا لثقل الدين العام، الذي يقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي المصري، كان متوقعًا أن يتباطأ الصندوق في «إمداد» القاهرة بالأكسجين المالي.
لكن العكس هو الذي حصل: السيسي سيحصل على نصيبه. ويُقال إن هذه «البشرى» جاءت نتيجة تراجع واضح للتضخم وتعزيز احتياطي النقد الأجنبي…
و مع ذلك، فإن الوعود المتعلقة بالإصلاحات الهيكلية، ولا سيما سياسة الخصخصة الطموحة جدًا، لم تُنفَّذ بعد بالكامل، وإن كانت الحكومة تعمل عليها بصعوبة.
و يبدو أن صندوق النقد سيكتفي بهذا القدر من التقدم. كما أن القاهرة تعرف جيدًا—على مستوى «الضغط الضمني»—كيف تقنع السيدة غورغييفا بتوقيع الشيكات.
و سيُصرف قرابة ملياري دولار ضمن برنامج القرض الممتد 46 شهرًا المبرم مع القاهرة، وذلك بعد إقرار المراجعتين الخامسة والسادسة. وسيُضاف إلى ذلك 273 مليون دولار ضمن «تسهيل الصمود والاستدامة» (RSF). وبشكل إجمالي، تم بالفعل صرف نحو 5.2 مليارات دولار في إطار الآليتين.
و كانت مصر قد وقّعت في ديسمبر 2022 اتفاقًا أوليًا بقيمة 3 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي. لكن أمام المخاطر التي ظهرت في المؤشرات الاقتصادية الكلية، تم رفع سقف البرنامج إلى 8 مليارات دولار في مارس 2024. ومن المقرر أن ينتهي البرنامج في ديسمبر 2026.
و بحسب بيانات رسمية، بدأ الاقتصاد المصري يستعيد عافيته: فبعد أن بلغ التضخم 38% في سبتمبر 2023، تراجع إلى 11.9% في جانفي الماضي على أساس سنوي لأسعار المدن.
كما تراجعت الضغوط في سوق الصرف. ويعزو صندوق النقد هذا التحسن إلى سياسات نقدية ومالية صارمة، مقترنة بمرونة أكبر في سعر الصرف.
إلى جانب ذلك، تستفيد البلاد من إيرادات سياحية قياسية، ومن «وسادة» تحويلات المصريين في الخارج، ومن اتفاقات استثمار ضخمة مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة.
و رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يدعو صندوق النقد إلى الحذر. إذ يشدد البيان على أن وتيرة تطبيق الإصلاحات الهيكلية ما تزال «غير متكافئة»، خاصة ما يتعلق بتقليص دور الدولة في الاقتصاد.
كما أن بيع الأصول العمومية، وهو محور الاتفاق مع الصندوق، لا يتقدم وفق ما كان متفقًا عليه.
و يعود الصندوق أيضًا إلى مسألة مستوى الدين العام والاحتياجات التمويلية الكبيرة، التي لا تزال تقلّص الهوامش المالية وتثقل كاهل النمو على المدى المتوسط.
و للتذكير، كانت السلطات المصرية قد أقرت في أوت 2025 تعديلات تشريعية تهدف إلى تنشيط الخصخصة وزيادة تدفقات الاستثمارات الخاصة.
لكن حتى الآن، لا تزال النتائج دون المأمول.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية