آخر الأخبار

أنبوب الغاز نيجيريا-الجزائر-أوروبا : الجزائر تنطلق في الأشغال بعد رمضان… و المغرب يُمنى بهزيمة نهائية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

كان ذلك متوقعًا في ضوء التطورات اللافتة بين الجزائر والنيجر بعد أشهر من القطيعة: فقد أعلن الرئيس عبد المجيد تبون، أمس الاثنين 16 فيفري، عن إضفاء الطابع الرسمي على اتفاق مع نيامي للشروع في الورشة العملاقة لخط أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP). بل إن موعد الانطلاق الفعلي للأشغال أصبح محددًا أيضًا: بعد شهر، أي عقب شهر رمضان.

الفارق حُسم منذ تصميم المشروع

يمتد هذا المشروع الضخم على مسافة 4128 كيلومترًا، ويُعدّ الأكبر على مستوى القارة الإفريقية. وسيُنقل الغاز في نهاية المطاف من نيجيريا إلى أوروبا مرورًا بالنيجر والجزائر. وقد تم الاتفاق على المشروع مع أبوجا منذ أكتوبر 2025، ولم يكن ينقصه سوى موافقة نيامي النهائية والحاسمة، وهو ما تحقق الآن.

و أعلن الرئيس الجزائري ذلك خلال الزيارة الرسمية لنظيره النيجري عبد الرحمن تياني. وقال تبون أمام وسائل الإعلام: «نعرب عن سعادتنا باستقبال أخينا رئيس جمهورية النيجر، الذي كنا ننتظر زيارته منذ مدة طويلة، وقد تحققت اليوم بفضل الله».

و أعرب تبون عن ارتياحه لأن البلدين «أنهما أنهيا فترة غير معتادة من الفتور» في علاقاتهما، «رغم أن الشعبين الشقيقين حافظا على التواصل بينهما (…)، سنحافظ على الصداقة التي تجمعنا منذ أجيال، وسيظل الشعب الجزائري والشعب النيجري شقيقين وجارين تربطهما علاقات أخوية متينة»، على حد تعبيره.

كلمات قوية تُجسّد مصالحة على أعلى مستوى بين الدولتين، وخطاب مؤثر لتكريس شراكة يعوّل عليها الكثيرون في القارة وأوروبا. فقد ظل مشروع الأنبوب العابر للصحراء حبيس الأدراج منذ سنة 2002. وفي المقابل، استغل المغرب هذا الركود، بعدما استشعر مكاسب مشروع مماثل، لطرح مشروع أنبوب أكثر إثارة من حيث الحجم: أطول أنبوب غاز بحري (offshore) في العالم بطول يقارب 5000 كيلومتر، أيضًا بالشراكة مع نيجيريا.

و كانت الرباط تطمح إلى ما هو أكبر، عبر اقتراح تزويد 13 دولة على امتداد الساحل الأطلسي الإفريقي قبل الوصول إلى أوروبا. برنامج بالغ الطموح، وربما طموح أكثر مما ينبغي، إذ لم يتحرك قيد أنملة منذ دراسات الجدوى. ويبدو أن الحلم المغربي اصطدم بواقع صارم: غياب التمويل وضعف الإرادة السياسية لدى الدول الشريكة.

على الجانب الآخر، تبدو الجزائر أكثر جاهزية على هذا الصعيد. فقد سهّلت السلطات المهمة بالاعتماد على المنشآت الموجودة أصلًا في نيجيريا والجزائر، مع إضافة مقاطع جديدة في البلدين، فضلًا عن الجزء الذي سيعبر النيجر. في الواقع، كان القفل الأخير يتمثل في الأزمة السياسية-الدبلوماسية مع نيامي، وقد طُويت الصفحة. فمنذ 12 فيفري عاد سفير الجزائر إلى النيجر والعكس صحيح، في خاتمة لسلسلة من المبادرات القوية.

و تأتي زيارة الرئيس تياني بعد ثلاثة أسابيع من زيارة وفد جزائري كبير إلى النيجر ترأسه وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب. وقد أعاد الطرفان تنشيط ملفين كبيرين: الاستغلال المشترك لحقل نفطي في شمال النيجر بين سوناطراك وسونيديب، ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP). وبخصوص المشروع الثاني، جاء الإعلان سريعًا.

الجزائر تُقدّم درسًا في البراغماتية و الواقعية السياسية

و مع ذلك، فإن “الصديقين” قطعا طريقًا طويلًا قبل الوصول إلى هذا التقارب. إذ بدأت الأزمة في جويلية 2023 عقب الانقلاب الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد بازوم. وكانت الجزائر، المنسجمة حينها مع موقف المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) والاتحاد الإفريقي، قد منحت المجلس العسكري مهلة ستة أشهر للعودة إلى مسار النظام الدستوري، وهو ما اعتبرته نيامي استفزازًا. ثم زادت التوترات بعد تدمير الجزائر لطائرة مسيّرة عسكرية مالية في أفريل 2025…

و قد اصطفّ كل من النيجر و بوركينا فاسو إلى جانب باماكو باسم تحالف دول الساحل (AES)، واستدعت البلدان الثلاثة سفراءها من الجزائر، وردت الجزائر بالمثل. لكن النيجر والجزائر دفنتا لاحقًا “فأس الخلاف”، وقدمت الجزائر لنيامي محطة كهربائية كمنحة، وفازت كذلك بصفقتين كبيرتين (مصفاة ومجمع بتروكيميائي). أما مع بوركينا فاسو، فتسير الأمور هي الأخرى نحو التقدم عبر زيارة وفد جزائري كبير لبحث مشاريع في الطاقة والمعادن والمحروقات.

و لم يبقَ سوى مالي. فقد مدت الجزائر يدها مرتين علنًا، إلا أن باماكو لا تزال مترددة في التقاطها، ربما بتأثير من المغرب والإمارات العربية المتحدة. وفي الأثناء، تتعزز الروابط مع البلدين الآخرين داخل تحالف دول الساحل.

و قد تغيّرت النبرة في الجزائر، إذ قررت—بدافع البراغماتية واعتبارات الواقعية السياسية—التعامل مع من يمسكون بزمام الأمور في النيجر. وقال تبون عقب لقائه بالجنرال تياني: «اتفقنا على تعزيز التعاون في مجالات الأمن، والتكوين العسكري، والتعاون الطاقي في مجالات المحروقات والكهرباء، وكذلك في التكوين الجامعي والمهني».

و أضاف الرئيس الجزائري: «أكدنا أيضًا استعداد الجزائر لمرافقة أشقائنا النيجريين في كل ما يحتاجونه، دون أي تقتير في الإمكانيات».

و في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، أكد تبون أن الشريكين «على الموجة نفسها (…)، وسنتعاون بكل الوسائل والقدرات التي تمتلكها الجزائر في هذا المجال».

لهجة لاقت ترحيبًا لدى الرئيس النيجري، الذي أشاد باحترام سيادة بلاده وتوجهاتها السياسية الداخلية، واعتبر ذلك «موقفًا مشرّفًا» للحكومة و«للشعب الجزائري العظيم»…

و أضاف الجنرال تياني: «لا يمكن لأي إفريقي أن يتصور أن الجزائر، التي عانت أكثر من قرن من ويلات الاستعمار، قد تسمح بأن يُستخدم ترابها لمهاجمة بلد إفريقي شقيق».

و أكد قناعته بأن «صفحة مهمة من تاريخ الساحل وإفريقيا تُكتب اليوم، وأن كل بلد سيختار موقعه وفق قناعاته ومصالحه والقيم التي يؤمن بها».

مرة أخرى، تم حسم ملف النيجر، وبوركينا فاسو باتت قريبة، ولم يبقَ أمام الجزائر سوى مالي. ويرجح أن يحدث ذلك قريبًا جدًا، لأن باماكو—من بين دول تحالف الساحل—هي على الأرجح الأكثر حاجة إلى الدعم في مواجهة كثرة أزماتها و على رأسها الخطر الجهادي.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا