آخر الأخبار

الاعتداءات على الأطفال: كيف نتحدث مع طفلك ابتداءً من سن السادسة دون إخافته

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

أعادت قضية حديثة، حظيت بمتابعة واسعة في تونس، إحياء قلق عميق لدى كثير من الأولياء: قلق من خطرٍ يبدو وكأنه يظهر في أماكن كنا نعتقد أننا نودع فيها أبناءنا بأمان. في مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال مرتبطًا فقط بحدثٍ آنيّ، بل يصبح شخصيًا، يكاد يكون يوميًا: هل ينبغي أن نتحدث مع طفلنا عن الأمر؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف نفعل ذلك دون أن ننقل إليه مخاوفنا، أو نثقل عالمه، أو نزرع فيه قلقًا غير ضروري؟

الجواب، في معظم الحالات، هو نعم. ليس من أجل تعريض الطفل لتفاصيل صادمة، ولا لإغراقه في حالة من الارتياب الدائم، بل لمنحه ما يسعى كل والد إلى منحه إياه: مرجعيات واضحة.

الحديث عن الوقاية في سن السادسة أو السابعة أو الثامنة لا يعني “زرع أفكار في رأس الطفل”، بل يعني وضع حدود، وتسمية قواعد، وفتح باب أساسي هو باب الثقة.

لماذا من الأفضل التحدث مبكرًا؟

بين السادسة والثامنة، يكون الطفل قد بدأ يفهم الكثير. عالمه يتّسع: المدرسة، الأنشطة، التنقلات، أحيانًا الروضة أو النقل المدرسي، وغالبًا سلسلة من البالغين المعروفين أو الأقل معرفة. في الوقت نفسه، يتعلم أن يكون “مطيعًا”، وأن يحترم الكبار، وألا يثير المشاكل. هذا التوجيه التربوي ثمين، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا أساء أحد البالغين استخدام سلطته أو ثقة الطفل.

هنا يكمن التحدي الحقيقي: قد يشعر الطفل بشيء غير مريح دون أن يعرف كيف يعبّر عنه. وقد يشعر بالذنب أو بالخجل، رغم أنه لم يرتكب أي خطأ. الوقاية تعني منحه كلمات، وإذنًا، وردود فعل بسيطة. كما هو الحال في السلامة المرورية، لا نتحدث عنها لنعيش في خوف، بل لنعرف كيف نتصرف.

أكثر الأحاديث فائدةً غالبًا ما تكون الأقصر. فهي لا تشبه استجوابًا، ولا خطابًا دراميًا مطوّلًا. بل تكون هادئة، منتظمة، ومناسبة لعمر الطفل ولغته.

ترتكز الوقاية الفعالة على ثلاثة أعمدة أساسية:
أولًا، الثقة: يجب أن يتيقّن الطفل أنه يستطيع الكلام دون أن يُوبَّخ.
ثانيًا، البساطة: تجنّب الشروحات المعقّدة والالتزام بالقواعد الواضحة.
ثالثًا، الانتظام: بضع دقائق من حين لآخر أفضل من حديثٍ واحدٍ ثقيلٍ ومقلق.

خمس قواعد أساسية ينبغي أن يعرفها الطفل بين 6 و8 سنوات

الوقاية في هذا العمر تقوم على خمس قواعد واضحة، يمكن تكرارها بشكل طبيعي كما نكرر قواعد الحياة اليومية.

القاعدة الأولى: جسدك ملك لك.
لا يحق لأحد أن يلمس جسدك بطريقة تزعجك، حتى لو كان شخصًا تعرفه، حتى لو قيل إن الأمر “لعب”، وحتى لو أصرّ.

القاعدة الثانية: الأجزاء الخاصة.
يمكن شرحها ببساطة: هي الأجزاء التي يغطيها لباس السباحة. هذه مناطق خاصة. لا نُريها للآخرين، ولا نلمسها، ولا يحق لأحد أن يلمسها.

القاعدة الثالثة: الاستثناءات المنظمة.
أحيانًا يساعد الوالدان الطفل في النظافة أو العناية. وإذا احتاج الطبيب إلى فحصه، يكون ذلك بحضور أحد الوالدين. ويجب أن يعرف الطفل أن له الحق في التعبير عن عدم ارتياحه.

القاعدة الرابعة: الفرق بين المفاجأة والسر.
المفاجأة قد تكون هدية عيد ميلاد. أما السر فهو أمر يسبب الخوف أو الخجل، أو يُطلب فيه عدم إخبار الوالدين. الأسرار المتعلقة بالجسد ممنوعة. وإذا طلب أحدهم سرًا عن الجسد، يجب إبلاغ الوالدين فورًا.

القاعدة الخامسة: خطة بسيطة للتحرك.
يمكنك أن تقول “لا”، وأن تبتعد، وأن تأتي لتخبرني. حتى لو أصرّ البالغ. حتى لو شعرت بالخوف. حتى لو قيل لك إنك “ستقع في مشكلة”. يجب أن يسمع الطفل بوضوح أنه سيكون محميًا إذا تكلم.

عبارات يمكن للوالدين استخدامها كما هي

بالنسبة لكثير من الأولياء، أصعب ما في الأمر هو اختيار الكلمات المناسبة. فيما يلي عبارات بسيطة تناسب سن 6–8 سنوات، تحمي دون أن تخيف:


*

“جسدك هو مساحتك الخاصة.”


*

“إذا لمسَك أحد بطريقة لا تعجبك، قل: توقف، وابتعد.”


*

“لن تُعاقَب أبدًا لأنك قلت لي الحقيقة.”


*

“لا يحق لأي بالغ أن يطلب منك سرًا عن جسدك.”


*

“إذا شعرت بالانزعاج، فهذا سبب كافٍ لتأتي وتتحدث معي.”


*

“لستَ مضطرًا لتقبيل أو معانقة أحد إذا لم ترغب.”

تكرار هذه العبارات بهدوء يبني حماية داخلية لدى الطفل: يفهم أن له الحق في الإصغاء إلى إحساسه، وأن طريق المساعدة مفتوح أمامه.

ما ينبغي تجنّبه، حتى بنية حسنة

في هذه المواضيع الحساسة، هناك أخطاء شائعة قد تزيد قلق الطفل أو تدفعه إلى الصمت.

أولًا، تجنّب سرد قضية متداولة في الإعلام أو تقديم تفاصيل وأماكن وروايات. الطفل يحتفظ بالخوف أكثر مما يحتفظ بالوقاية.
ثانيًا، تجنّب التعميم مثل “احذر من الرجال” أو “احذر من المربين”. الوقاية لا تعني زرع الشك، بل تعلّم إشارات الخطر وكيفية التصرف.
كما يجب تجنّب تحويل الوقاية إلى استجواب متكرر من قبيل: “هل لمسَك أحد؟” فهذا قد يربك الطفل.
الأفضل سؤال مفتوح: “هل حدث شيء أزعجك؟”
وأخيرًا، تجنّب التهديد أو اللوم، لأن الطفل قد يلتزم الصمت خوفًا من العقاب أو من خيبة أمل والديه.

الطريقة الأكثر فاعلية: “توقف – ابتعد – تحدث”

الطفل يحفظ خطة بسيطة أفضل من ألف شرح. القاعدة الأهم في هذا العمر يمكن اختصارها في ثلاث كلمات:

توقف: قل لا، قل “توقف”، قل “لا يعجبني هذا”.
ابتعد: غادر المكان، توجّه إلى مكان مأهول، اقترب من بالغ آخر، اخرج من الغرفة.
تحدث: أخبر الأب أو الأم أو شخصًا موثوقًا، حتى لو طُلب منك السكوت.

يمكن تدريب الطفل على هذه القاعدة من خلال سيناريوهات غير صادمة، على شكل لعبة: “إذا طُلب منك الدخول وحدك إلى غرفة”، “إذا طلب منك أحدهم سرًا”، “إذا أصرّ على معانقتك”.

إذا سمع الطفل عن قضية: ماذا نقول؟

عندما يعود الطفل بعبارة سمعها في المدرسة أو في البيت، يكون الرد الأفضل قصيرًا ومطمئنًا. لا حاجة لتأكيد الشائعات أو الخوض في التفاصيل، بل لإعادة الإحساس بالأمان.

يمكن القول:
“أحيانًا لا يحترم بعض البالغين القواعد. هذا أمر خطير ويُعاقَب عليه. أنا هنا لأحميك. إذا أزعجك شيء، يمكنك أن تأتي لتخبرني.”

ثم نعود إلى القواعد الخمس. يجب أن تبقى الوقاية نورًا لا مصدر خوف.

إشارات تستدعي فتح باب الحوار

لا توجد علامة واحدة تثبت وقوع شيء. لكن بعض التغيرات تستوجب الانتباه وفتح الحوار: كوابيس، خوف مفاجئ من الذهاب إلى المدرسة، تراجع سلوكي، اضطراب غير معتاد، حزن، غضب، رفض شخص أو مكان، شكاوى جسدية متكررة دون سبب واضح، عزلة أو أسرار.

أفضل مدخل ليس الاتهام، بل الإصغاء:
“أراك مختلفًا هذه الأيام، هل هناك ما يقلقك؟”

إذا باح الطفل بشيء: كيف نتصرف؟

في لحظة الإفصاح، ردّ فعل الوالد لا يقل أهمية عن الخطوات التالية.
أولًا، يجب الحفاظ على الهدوء، لأن ذعر الوالد قد يدفع الطفل إلى التراجع.
ثانيًا، شكر الطفل: “أحسنت لأنك أخبرتني.”
ثالثًا، طمأنته: “هذا ليس خطأك.”
وأخيرًا، تجنّب طرح أسئلة تفصيلية كثيرة. من الأفضل تدوين كلماته كما قالها، وطلب المساعدة سريعًا عبر القنوات الرسمية أو المختصين.

في تونس، تتوفر أرقام خضراء للإبلاغ والتوجيه، من بينها 192 المرتبط عادةً بمندوبي حماية الطفولة، وهو رقم وطني مجاني أطلقته وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، متاح على مدار الساعة للتبليغ عن حالات الأطفال في خطر أو المهددين بالعنف.
كما يوجد الرقم 1809، وهو خط أخضر مجاني للاستماع والدعم النفسي والتوجيه، تؤمّنه الوزارة نفسها ويشرف عليه أخصائيون نفسيون.

الوقاية التي تحمي فعليًا في الحياة اليومية

الحماية لا تقوم على حديث واحد فقط، بل تُبنى عبر عادات بسيطة. احترام “لا” الطفل عندما يرفض قبلة أو عناقًا يعلّمه أن موافقته مهمة. تسمية أجزاء الجسد دون خجل أو سخرية تمنحه لغة واضحة. شرح الفرق بين المفاجأة والسر يجنب فخ الصمت. تنظيم العزلة في بعض السياقات، والانتباه إلى الفضاء الرقمي، وتأكيد أنه يستطيع الكلام دون عقاب—كل ذلك، مجتمعًا، يصنع شبكة أمان حقيقية.

يمكن للأولياء أيضًا تبني موقف مسؤول تجاه مؤسسات الاستقبال. طرح أسئلة حول مراقبة الفضاءات، وقواعد مرافقة الأطفال إلى دورات المياه، والبروتوكولات الداخلية، والشخص المرجعي في حال وقوع حادث—ليس اتهامًا، بل ثقافة أمان. والمؤسسة الجادة لا تنزعج من ذلك.

الرسالة الأخيرة: بسيطة وقوية

هناك عبارة تختصر الوقاية كلها دون أن تجرح الطفولة:
“جسدك ملك لك.”

لكن يجب أن ترافقها عبارة لا تقل أهمية:
“يمكنك دائمًا أن تتحدث إليّ.”

الحديث عن الوقاية مع الأطفال ابتداءً من سن السادسة لا يعني إخافتهم، بل يعني منحهم إذنًا: إذنًا لقول “لا”، إذنًا للابتعاد، إذنًا للكلام. وغالبًا ما يكون هذا الإذن، المكرر بهدوء، هو الفارق بين طفل يلتزم الصمت… وطفل يعرف كيف يحمي نفسه.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا