تشهد سوق العمل في تونس مرحلة مفصلية من التحول الهيكلي، مع بروز قطاع الخدمات كمحرك رئيسي للتشغيل، مقابل تراجع مساهمة القطاع الصناعي .
وأعلنت الهيئة التونسية للاستثمار في نشرتها السنوية لسنة 2025، الصادرة هذا الأسبوع، أن الاستثمارات المصرّح بها خلال العام الجاري ستُسهم في توفير نحو 101,681 فرصة عمل، بزيادة تُقدّر بـ5% مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية . هذا التطور يعكس حركية استثمارية إيجابية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن تحولات عميقة في بنية الاقتصاد الوطني ومصادر خلق الثروة .
الخدمات تتقدم والصناعة تتراجع
تُبرز القراءة القطاعية للمعطيات وجود قطبين رئيسيين في معادلة التشغيل : القطاع الصناعي، الذي كان المساهم الأكبر في خلق فرص العمل خلال عامي 2023 و2024، يشهد تراجعًا ملحوظًا في 2025 وقطاع الخدمات يسجل توسعًا متسارعًا، ليصبح المحرك الأول لسوق العمل، مع توقعات بإحداث نحو 60 ألف وظيفة جديدة .
هذا التحول ليس وليد اللحظة، بل يأتي امتدادًا لمسار طويل؛ إذ ساهم قطاع الخدمات خلال العقدين الماضيين بما يقارب %70 من إجمالي نمو التشغيل في تونس .
ورغم توسع مختلف فروع الخدمات، فإن القطاعات ذات الإنتاجية المنخفضة نسبيًا كانت الأكثر ديناميكية، وعلى رأسها الخدمات المرفقية والاجتماعية والشخصية و تجارة الجملة والتجزئة . في المقابل، سجلت الأنشطة الصناعية مساهمة محدودة في خلق مواطن الشغل، ما أدى إلى عدم ارتفاع حصة الصناعات التحويلية في القيمة المضافة الإجمالية للاقتصاد .
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول جودة فرص العمل المستحدثة، ومدى قدرتها على تحقيق قيمة مضافة مرتفعة وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني .
الخدمات ركيزة التحول الاقتصادي عالميًا
على الصعيد الدولي، بات قطاع الخدمات يمثل أكثر من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويوفر النسبة الأكبر من الوظائف، لا سيما لفئتي الشباب والنساء . وتنسجم تونس مع هذا الاتجاه العالمي، حيث يمثل قطاع الخدمات أكثر من %60 من الناتج المحلي الإجمالي، ويساهم بأكثر من %50 من إجمالي التشغيل . غير أن مسار تحرير القطاع لا يزال غير مكتمل .
تاريخيًا، ركزت الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها تونس على الصناعات التحويلية، بينما لم يشهد قطاع الخدمات إصلاحات جوهرية في مجال التحرير منذ عام 1997 . ويُعد هذا التأخر في الإصلاح أحد العوامل التي تحد من إمكانات الاقتصاد التونسي، وتعيق انتقاله نحو قطاعات أكثر تطورًا وتعقيدًا .
وتؤكد تقارير أن التحرير التدريجي والمنظم لقطاع الخدمات يمكن أن يشكل رافعة استراتيجية لتحديث الاقتصاد الوطني، من خلال استقطاب الاستثمارات الأجنبية و إدخال تكنولوجيات مبتكرة الى جانب تطوير قطاعات واعدة مثل الاتصالات، والخدمات المالية، والخدمات الرقمية .
تعكس المعطيات الأخيرة أن تونس تقف أمام خيار استراتيجي: إما الاكتفاء بنمو خدمات تقليدية منخفضة الإنتاجية، أو المضي قدمًا في إصلاحات هيكلية تعزز تنافسية الخدمات ذات القيمة المضافة العالية . وبينما يواصل قطاع الخدمات ترسيخ موقعه كقلب نابض لسوق العمل، يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذا الزخم الكمي إلى مكاسب نوعية تدعم النمو المستدام، وتفتح آفاقًا أوسع أمام الشباب والكفاءات التونسية في اقتصاد عالمي سريع التحول .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية